ابن عربي
62
مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الالهية
البحر ، فركب على دابة من دوابه ، ثم سرى في الآن ، فأنزلته على " قبة أرين " « 1 » فأعطيته الحياة الكلية ، وعصمته من جزئه . وخاطبته من وسطه بقوله : عند ترك التناهي أحبك ، وعند إزالة الأرواح أسرك . فأصدر ، واصدع قلب الصدق واقهره . وخذ سر الحياة ، واجعله في من تريده . وجرد سيف الانتقام ، وأعل به منارك ، واقطع من عاداك . ثم ائت إليّ ، واترك ولدك ، فإنه يقوم مقامك « 2 » . وقل له : يصطلم « 3 » في الفناء ببقائي ، ولا يغار « 4 » على كشفه ، ويشاهدني في الصفات ، ولا يشاهدني في الذوات . فإن عاينني « 5 » ذهب منها ، وإن سمع ، أو فهم ، أو علم ، أو أشار ، أو نقل ، أو فصل ، أو جمع لم يدركني « 6 » . وفي الشعور تلوح لأهل النظر الأمور .
--> ( 1 ) ( قبة أرين ) : أجاب ابن عربي على هذه العبارة أثناء حديثه المطول في الفتوحات المكية في شرح السؤال رقم ( 153 ) فقال : ( وما أرين ؟ ) قلنا عبارة عن الاعتدال في قوله : أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى فإن أرين موضع خط اعتدال الليل والنهار فاستعاره وقد ذكره منهم عبد المنعم بن حسان الجلباني في مختصره غاية النجاة له ولقيته وسألته عن ذلك فقال فيه ما شرحناه به صاحب هذا المقام هو صاحب الرداء . . انظر : ابن عربي : الفتوحات المكية . وانظر ابن عربي أيضا في كتاب الجواب المستقيم فيما سأل عنه الترمذي الحكيم بتحقيقنا السؤال رقم ( 153 ) أيضا . ( 2 ) إشارة هامة وضرورية في فهم حقيقة الميراث للأنبياء فإنهم لم يورّثوا درهما ، ولا دينارا ، ولكن هذا ميراثهم ؛ التقوى ، والعبادة ، والعمل الصالح ، والاشتغال باللّه وفي اللّه ومع اللّه وللّه . ( 3 ) تقدمت إشارة عن معنى الاصطلام منذ قليل ، ولكن المهم في هذه الإشارة : ( قل له يصطلم في الفناء ببقائي ! ) . انظر عزيزي القارئ إلى هذه العبارة ، وتأمل ما الذي يدور فيها إنها كلها حركة وكأن الكون كله لا بد وأن يدور بالإنسان ومع الإنسان الذي هو يدور في حالة فناء كامل مع اللّه . فببقائه يمكن له أن يصطلم . ( 4 ) في نسخة المخطوط ( خ ) : ( ولا يغادر ) . ( 5 ) في النسختين ( ط ) ، ( خ ) : ( عيني ) والمقصود بها هنا الرؤية فالعين وحدها لا تأتي هكذا . ( 6 ) والمراد هنا هو كما قال الصديق ( رضي اللّه عنه ) : ( العجز عن درك الإدراك إدراك ) . فهذا الأمر عال جدا ، لا تنفع معه عبارات أهل الظاهر . وإلا تظهر الأمور أكثر من ذلك . وهذا ليس مطلوبا .