ابن عربي

46

مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الالهية

ثوبك وارم الماء والأحجار ، فقد وجدت فألقيت كل شيء كان عندي ، وما رأيت حيث ألقيت وبقيت . فقال لي : الآن أنت أنت . ثم قال لي : ترى ما أحسن هذه الظلمة ، وما أشد ضوؤها ، وما أسطع نورها . هذه الظلمة مطلع الأنوار ، ومنبع عيون الأسرار ، وعنصر المواد . من هذه الظلمة أوجدتك وإليها أردّك ، ولست أخرجك منها . ثم فتح لي قدر سم الخياط ، فخرجت عليه ، فرأيت بهاء ونورا ساطعا . فقال لي : رأيت ما أشد ظلام هذا النور . أخرج يدك ، فلن تراها « 1 » . فأخرجت يدي ، فما رأيتها . فقال : هذا نوري ، لا يرى فيه غيري نفسه . ثم قال لي : ارجع إلى ظلمتك ، فإنك مبعود عن أبناء جنسك . ثم قال لي : ليس في الظلمة غيرك ، ولا أوجدت منها سواك ، منها أخذتك . ثم قال لي : كل موجود دونك خلقته من نور ، إلا أنت . فإنك مخلوق من الظلمة . ثم قال لي : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ « 2 » لو كانوا في النور لقدّروه . أنت عبدي حقا . ثم قال لي : إن أردت أن تراني ، فارفع الستر عن وجهي .

--> ( 1 ) انظر الآية رقم ( 40 ) من سورة النور . ونصّها : أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ ( 40 ) . ( 2 ) الآية رقم ( 91 ) من سورة الأنعام .