ابن عربي
13
مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الالهية
وقال ذو النون المصري « 1 » رحمه اللّه : " من ذكر اللّه تعالى على الحقيقة نسي في جنب ذكره كل شئ ، وحفظ اللّه عليه كل شيء ، وكان له عوضا من كل شيء " . وأعتقد أنني هنا أشرت إلى جملة من هذه المعاني الخاصة بالذكر ، لمحاولة الدخول إلى فهم الكتاب وقراءته . أمّا شرح هذا العنوان فهو : المشاهد ، جمع : مشهد . والمشهد من المشاهدة . والمشاهدة : هي رؤية الحق من غير تهمة ، ويطلق على رؤية الأشياء بدلائل التوحيد ، ويطلق بإزاء التوحيد ، ويطلق بإزاء رؤية الحق في الأشياء ويطلق بإزاء حقيقة اليقين من غير شك . وقد يفهم من قولهم في المشاهدة بأنها تطلق بإزاء اليقين أن اليقين هو الذي يقال له مشاهدة . وإنما المشاهدة إدراك بغير منازعة فهي أقوى من الإدراك اليقيني . أمّا الشاهد : فهو ما تعطيه المشاهدة من الأثر في قلب المشاهد ، وهو على حقيقة ما يضبطه القلب من صورة المشهود . ولمّا كانت المشاهدة عندهم هي شهود الحق من غير تهمة فإن لفظ الشاهد على ما يشهد العبد ، وهو المراد بقولهم الشاهد هو ما تعطيه المشاهدة من الأثر في القلب ، أو في قلب المشاهد . فإنّ حال من شاهد الحق لا يكون حاله كمن لم يشاهده ولذلك أثر إما حصول علم لدني ، أو حصول وجد . وهكذا فقد قالوا : علامة من شاهد الحق هو شاهده . وشاهده هنا هذا العلم اللدني الذي يطل علينا خلال الألفاظ ، التي نتنقل بها كل
--> ( 1 ) ( ذو النون المصري ) شيخ الديار المصرية ثوبان بن إبراهيم وقيل فيض بن أحمد وقيل فيض بن إبراهيم النوبي الإخميمي الغرماء أبا الفيض ويقال أبا الفياض ولد في أواخر أيام المنصور ، وروى عن مالك والليث وابن لهيعة وفضيل بن عياض وسليمان الخواص وسفيان بن عيينة وطائفة . وروى عنه أحمد بن صبيح الفيومي وربيعة بن محمد الطائي ورضوان بن محيميد وحسن بن مصعب والجنيد بن محمد الصاحب ومقدام بن داود الرعيني وآخرون كان عالما فصيحا حكيما توفي في ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائتين . انظر : الذهبي : سير أعلام النبلاء : 11 / 532 .