ابن عربي

103

مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الالهية

- والآخر : ينظر إلى حضرة السماع وصقالته بالصمت والأدب . وليس ثم وجه تاسع ، ولا كشف لها سبحانه حضرة زائدة على هذه الثمانية . فكانت تجهلها إذ ليس لها وجه تتجلى فيه للحكمة الإلهية التي سبقت بالإرادة القديمة . وهنا موضع نزاع بين الأشعرية « 1 » والصوفية « 2 » ، دقيق لا يتفطن له إلا صاحب ذوق .

--> ( 1 ) ( الأشعرية ) : نسبة إلى الإمام أبو الحسن الأشعري وهو : أبو الحسن : علي بن إسماعيل بن أبي بشر المتكلم البصري صاحب المصنفات وله بضع وستون سنة أخذ عن زكريا السجي وعلم الجدل والنظر عن أبي علي الجبائي ثم على المعتزلة ذكر ابن حزم أن للأشعري خمسة وخمسين تصنيفا وأنه توفي في هذا العام وقال غيره توفي سنة ثلاثين وقيل بعد الثلاثين وكان قانعا متعففا قاله في العبر قلت ومما بيض به وجوه الحق الأبلج ولصدور أهل الإيمان والعرفان أثلج مناظرته مع شيخه الجبائي التي بها قصم ظهر كل مبتدع مرائي وهي كما قال ابن خلكان سأل أبو الحسن المذكور أستاذه أبا علي الجبائي عن ثلاثة إخوة كان أحدهم مؤمنا برا تقيا والثاني كان كافرا فاسقا شقيا والثالث كان صغيرا فماتوا فكيف حالهم فقال الجبائي أما الزاهد ففي الدرجات وأما الكفار ففي الدركات وأما الصغير فمن أهل السلامة فقال الأشعري إن أراد الصغير أن يذهب إلى درجات الزاهد هل يؤذن له فقال الجبائي لا لأنه يقال له أخوك إنما وصل إلى هذه الدرجات بسبب طاعته الكثيرة وليس لك تلك الطاعات فقال الأشعري فإن قال ذلك التقصير ليس مني فإنك ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة فقال الجبائي يقول الباري جل وعلا كنت أعلم لو بقيت لعصيت وصرت مستحقا للعذاب الأليم فراعيت مصلحتك فقال الأشعري فلو قال الأخ الأكبر يا إله العالمين كما علمت حاله فقد علمت حالي فلم راعيت مصلحته دوني فانقطع الجبائي ولهذه المناظرة دلالة على أن اللّه تعالى خص من شاء برحمته وخص آخر بعذابه وإلى أبي الحسن انتهت رياسة الدنيا في الكلام وكان في ذلك المقدم المقتدى الإمام قاله في كتابه الإبانة في أصول الديانة وهو آخر كتاب صنفه وعليه يعتمد أصحابه في الذب عنه عند من يطعن عليه . انظر ابن العماد : شذرات الذهب ك 1 / 303 . ( 2 ) ( الصوفية ) : هم قوم اصطفاهم اللّه سبحانه وتعالى بكل صفة جميلة شرعا من الزهد والانقطاع للعبادة وغير ذلك من الأخلاق المحمدية فوصفهم لا يضاهى وفضلهم لا يتناهى . أمّا الصوفي : فهو من تصفى من الكدر ، وامتلأ من العبر ، واستوى عنده الذهب والمدر . وأول درجات التصوف الإعراض عن الدنيا حلالها وحرامها ، ليندفع عن ذلك سائر الأخلاق الذميمة التي من جملتها الشح ، ويتفرغ للتخلق بالأخلاق الحميدة من التوكل ، والرضا ، والمراقبة ، والمحبة ، والأنس وغير ذلك . انظر : الشيخ محمود خطاب السبكي : أعذب المسالك