ابن عربي
82
كتاب الحجب
أعيان الحجب التي بين اللّه وبين خلقه فلو كشفها عموما كما كشفها خصوصا لبعض عباده لأحرقت أنوار ذاته المعبر عنها بسبحات وجهه ما أدركه بصره من أعيان الموجودات أي أن بصره كان يدرك من الموجودات سوى وجود الحق ويذهب الكل الذي قررته الدعاوى فيتبين أنه الحق لا غيره فعبر عن هذا الذهاب بالإحراق لما جعلها أنوارا والأنوار لها الإحراق لكنه تعالى أبقى حجب الدعاوى ليتميز أهل اللّه من غيرهم فلم تزل الممكنات عند أهل اللّه من حيث أعيانهم موصوفين بالعدم ومن حيث أحكامهم لم يزالوا موصوفين بالوجود وهو الحق كما قال تعالى : ( كنت سمعه وبصره ) في الخبر الصحيح « 1 » . فأثبت العين للعبد وجعل نفسه عين صفته التي هي عين وجوده عين صفة العبد فعين الممكن ثابتة غير موجودة والصفة موجودة ثابتة وهي عين واحدة ولو تكثرت بنسبها فإنها كثيرة في النسب فهي سمع وبصر وغير هذين إلى جميع ما في العالم من القوى من ملك وبشر وجان ومعدن ونبات وحيوان ومكان وزمان ومحل ومعقول ومحسوس وما ثم إلا هذا . ولما قرر اللّه دعاوى المدعين بإرسال الحجب بينهم وبين ما هو الأمر عليه وشغلهم بالحجب التي بينهم وبينه في الأفعال وضرب الكل بالكل انفرد بخاصته وجعلهم جلساء له عنده بالشهود وفي صورهم المحسوسة بالذكر فهو جليس الذاكرين وهم آخر الطوائف ليس بعدهم أحد له نعت يذكر قال تعالى لما وصفهم ذكرانا وإناثا : وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ « 2 » . فختم بجلسائه وما بعد جلسائه من يقبل صفة إلا صفة بعد عن هذه المجالسة ألا ترى أبا يزيد رحمه اللّه حين جهل الأسماء الإلهية وما تستحقه من الحقائق كيف صنع لما سمع القارئ يقرأ يوم الجمعة : يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً « 3 » طار الدم من عينيه حتى ضرب المنبر وتأوه وقال هذا عجب كيف يحشر إليه من هو جليسه فإنه في تلك الحالة كان جليسا مع الأسماء من حيث ما هي دالة على الذات كل واحد منها لم يكن مع الاسم من حيث ما تطلبه حقيقته من عين دلالته على الذات فأنكر ما لم يعطه مشهده مع كونه كلام الحق وقد وقع منه الإنكار بل ما وقع منه إلا التعجب خاصة فهو يشبه
--> ( 1 ) تقدم تخريج هذا الحديث داخل الكتاب . ( 2 ) الآية رقم ( 35 ) من سورة الأحزاب ( 3 ) الآية رقم ( 85 ) من سورة مريم