ابن عربي
12
كتاب الحجب
وقوله تعالى : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ « 1 » ، أي : عن رؤيته سبحانه وتعالى . وقوله تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ « 2 » مثل حجاب الصور كما كلم نبيه موسى ( عليه السلام ) خلف حجاب الشجرة ، والنار ، والوادي المقدس . وعن الآيات التي تذكر الحجاب كلها في القرآن الكريم فهي ثماني آيات مجتمعة . ثالثا : وفي الحديث الشريف : قال ( صلى اللّه عليه وسلم ) : ( حجبت الجنة بالمكاره ، وحجبت النار بالشهوات ) « 3 » وعن أبي أمامة عن النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) قال : ( إن العبد إذا قام في الصلاة حسّنت له الجنان ، وكشفت له الحجب « 4 » بينه وبين ربه ، واستقبلته الحور العين ما لم يمتخط أو يتنخم . ) « 5 »
--> ( 1 ) الآية رقم ( 15 ) من سورة المطففين ( 2 ) الآية رقم ( 51 ) من سورة الشورى ( 3 ) في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) قال : ( حجبت الجنة بالمكاره وحجبت النار بالشهوات ) وخرجه مسلم ولفظه ( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ) وأخرجه أيضا من حديث أنس عن النبي ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) وخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، من حديث أبي هريرة عن النبي ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) قال : لما خلق اللّه الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة فقال ، انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها قال فجاءها فنظر إليها وإلى ما أعد لأهلها ، قال ارجع إليه فقال : وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها فأمر بها ، فحفت بالمكاره ، فقال ارجع إليها فانظر إلى ما أعددت لأهلها ، قال فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره فرجع إليه فقال : وعزتك لقد خفت ألا يدخلها أحد ، قال فاذهب إلى النار فانظر إلى ما أعددت لأهلها فإذا هي يركب بعضها بعضا فرجع إليه ، فقال : وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها فأمر بها فحفت بالشهوات فقال ارجع إليها فرجع إليها فقال وعزتك لقد خشيت ألا ينجو منها أحد إلا دخلها ) فتبين بهذا أن صحة الجسد وقوته وكثرة المال والتنعم بشهوات الدنيا والتكبر والتعاظم على الخلق هي صفات أهل النار هي جماع الطغيان والبغي كما قال تعالى : كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ( العلق آية : 6 ، 7 ) ، والطغيان وإيثار الحياة الدنيا وشهواتها من موجبات النار حين تصير حجابا على إيمان العبد ، كما قال تعالى : فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى ( النازعات : آية : 37 ، 38 ، 39 ) انظر كتاب " التخويف من النار " لابن رجب الحنبلي 1 / 199 طبعة دمشق ( 4 ) نعم هناك أناس تكشف لهم هذه الحجب ، ويمتعهم ربهم متاعا حسنا ، نسأل اللّه أن يجعلنا منهم ( 5 ) انظر : ابن حجر الهيثمي : مجمع الزوائد : 2 / 19