ابن عربي

98

شجون المسجون وفنون المفتون

وقال : نظم [ الطويل ] توخّ سبيل الرّشد واجنح إلى التّقى * وخلّ عن الآثام واجتنب الفحشا تفرّد عن القوم الّذين اتّخذتهم * لأنسك واستبدل من الإنس الوحشا « 1 » فلست ترى إلّا مسرّ عداوة * يعيرك نصحا وهو معتقد غشّا أرى باطن الدّنيا سموم أراقم * وإن ملأت للعين ظاهرها نقشا « 2 » مثال : يجب أن تفقه من خاصّيّة الدّنيا أنّ القلب يميل إليها ، فمتى قابلها عن قرب جذبته جذب المغناطيس للحديد ، وشفاؤه في البعد ، وكلّما بعد أمن ، ولا تنفعه شدّته وبأسه ، وكسره لسائر الأحجار عند القرب ، وذلك لعلّة عشقيّة ، وإنّما جعل القلب بهذه المنزلة ليميل بسهولة إلى الرّوحانيّات عن الجسمانيّات ، وكما أنّ الحديد إذا لازم المغناطيس زمانا صار فيه قوّته فجذب حديدا آخر ، كذلك القلب إذا لازم الرّوحانيات فعل في غيره كفعلها فيه . وكما أنّ ملازمة الصّالح تؤثر الصّلاح ، فكذلك [ 26 / آ ] ملازمة الفاسد تؤثر الفساد . شريعة بحكمة : النّفس كالزّجاجة الصّافية ، وقد ملكها الله اختيارا وإرادة تتمكّن بهما من الميل إلى الشّيء وضدّه ، وهو سبحانه يمدّها بما تريد لقوله تعالى « 3 » : كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ . والثّواب والعقاب إنّما يقع على ذاتها من جهة صفاتها ، والشّيطان عبارة عن مجموع الصّفات الرّديئة ، فمتى اتّصف بها عادت كذّابة ، متكبّرة ، جاهلة ، غلاظة ، لا تحفظ عهدا ، ولا تكتم سرّا ، ميّالة أبدا « 4 » إلى الشّهوات ، فإذا استمرّت

--> ( 1 ) في م : « وجانب » . ( 2 ) في م : « . . سموما قواتلا » ، والأراقم : واحدها أرقم وهو من الحيّات ما كان فيه سواد وبياض . ( 3 ) سورة الإسراء : 20 . ( 4 ) ليس في م .