ابن عربي
95
شجون المسجون وفنون المفتون
عليها ، فتقدّمت أسماؤها ، وتعالى علاؤها ، وإنّها في سائر هذه المثالات المضروبة ، والحالات المحبوبة ، مطرودة بها ، محجوبة بسببها ، ولا تزال كذلك في سائر المسالك ، وكلّما علت في الممالك هوت في المهالك ، إلّا إن دخلت من الباب ، واعتصمت بالكتاب ، فهنالك توالجتها المحن ، وتخالجتها الفتن ، فإن استقرّت في سائر الحالات مستمرّة على الثّبات ، ربما عطفها عاطف عنها إليها ، ثمّ أخذها منها ، وردّها عليها ، فرادها رائد من الشّوق ، وزادها مما يكاد لا يدرك إلّا بالذّوق « 1 » ، فتغيّرت تلك الأغيار ، وطمست تلك الآثار ، وحالت الحالات وانخلعت الصّفات والهيئات ، وهاهنا أيضا ربّما وقفت فانحرفت ، أو انفصلت فاتّصلت ، فإن استقرّت جاحدة ، واستمرّت ساجدة ، فهنالك [ لها ] الإيماء إلى ذلك ، وقد كادت أن تقطع عنه « 2 » المسالك . وعلى هذا التّقرير يجب أن يكون التّدبير ، كلّما ظهرت عزّة ذلّت ، وكلّما بهرت كثرة قلّت ، وهي أبدا تخلع ملابس الكبرياء ، وتتقمّص بقمص الفقراء ، وتتبّع مواطن الإسقاط ، وتسلك سبيل الانحطاط ، إلى أن تصل إلى الحدود ، وتحلّ محلّ المولود ، فتكون على فطرة الإسلام ، فتلك رتبتها والسّلام . وبعد هذا النّظام ، والاعتصام بالإمام ، قلبك أبدا « 3 » إيّاها مردودا عليها ، وراجعا إليها ، لئّلا تبرز اللّطائف في الكثائف ، والمعارف في المآلف ، فتشتغل عن ورودها منها بما تورده عنها ، فإنّ من المعاني ما لا يدرك بالمباني ، ومن [ 25 / ب ] الباقي ما لا يمثل بالفاني . نقل من الرّوض الأنف : الرّوح هي النّفس باعتبار ، وهي العقل باعتبار . فالرّوح مشتقّة من الرّيح ، ولهذا قال تعالى « 4 » : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ، ولم يقل : من نفسي ، ومثل ذلك أنّ الماء
--> ( 1 ) الذوق عند الصوفية مقام من مقامات المعرفة الإلهية ، ويرى ابن عربي أنّ الذوق أول مبادئ التجلي . انظر الفتوحات المكية 2 / 548 . ( 2 ) في م : « دونه » . ( 3 ) جاء على حاشية الأصل ما نصه : « في نسخة : فليكن قلبك أبدا . . » . ( 4 ) سورة الحجر 29 ، وسورة ص 72 . وفي الأصل : « ونفخنا روحنا . . ولم يقل نفسنا » .