ابن عربي

89

شجون المسجون وفنون المفتون

فتارك الشّهوة ترك الوجود بأسره ، وقوي على الوقفة في الوحدة بفكره ، وأعظم بها صفة لمن تركها لله بقوّة دائما ، ورقي بفكره في معارج التّجريد ملازما . وصيّة : صانوك فلا تتبذّل ، أغروك فلا تتذلّل ، جدّوا بك ولا تكبّل ، واستخدموك فلا تكلّ ، علّموك فلا تجهل ، أمّنوك فلا تخن . اكتحل بالفكر وحرّم على بالك أن يلمّ به الهوينى « 1 » والفتور ، واملك عنان الفكر كما تملك زمام الذّكر ، وعليك بالعلم المستفاد من النّظر في ضمائر القلوب ، ومواقع الخطرات ، وما يتّصل بكلّ خطرة وهاجسة ، وما ينقدح في القلب من نور ، وصفاء ، وظلمة ، ورين « 2 » ، ممّا لا يكاد ينشرح به صدر إلّا عن موهبة إلهيّة . اللّهم إلّا أن تنكت من الله في قلب عبد مؤمن [ 24 / ب ] نكتة تفزعه لما هو الأهمّ ، فيفزع حينئذ إلى النّظر فيما راعه حتّى يتدرّج بذلك إلى أن ينال شرحا لصدره بعد الجهد الجهيد ، والتّعب الشّديد . وليس يكاد التّعجّب ينقضي ممّن يزن بالعقل ، وينسب إلى العلم ، ثمّ لا يغنيه النّظر في ضروب ما يعرض في قلبه من الخواطر الّتي هي فواتح أفعاله ، وبواعثها ، ثمّ في منازل فكره . وربّما تشتّد عنايته في تعرّف أحوال عينه الّتي هي موضع بصره الظّاهر ، وقد علم أنّه يعرض لقلبه ما يعرض لعينه من عور ، أو ضعف ، أو عمى . كذلك يعرض لقلبه ما يعرض لسمعه من الآفات ، وكيف يرى تعلّم ما يصلح به ظاهره من العلوم الظّاهرة ، وقلبه جاهل بحاله ، ولو علم على إصلاح سرّه ، وإخلاص طويّته بمراقبة قلبه لدحض آثار وساوس تحدث فيه بتردّد واضطراب ، إلى أن يقوى خاطر حقّ لا تردّد فيه فسمّي همّة ، فإن بعث على فعل جزم سمّي مشيئة . وللأدعية أثر عظيم هاهنا ، والله الممنّ بكرمه .

--> ( 1 ) الهوينى : الاتّئاد في المشي ، والخفض والدّعة . ( 2 ) الرّين : الصّدأ ، لأنّه يعلو المرآة والسّيف .