ابن عربي

75

شجون المسجون وفنون المفتون

وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ « 1 » . فالكسب عبارة عن الاختيار لأنّه مبدأ الفعل . فإن قيل : إنّه تعالى جبر المختار على أنّه يختار هذا بعينه ، فقد عاد الاختيار جبرا ، وهو محال شرعا « 2 » ولغة وعقلا . بل نقول : إرادته « 3 » أن يكون المختار مختارا ، وعلم ما ذا يختار فلم يمنع وقوعه ، فصار الواقع بعينه مرادا للرّبّ ، لكونه علم ولم يمنع ، وكسبا للعبد لكونه لم يعلم مراد الرّبّ فاختار ، ففقد بان أنّه متى أراد العبد ما أراد اللّه [ 21 / ب ] وقوعه بفعل من العبد ، كان العبد هاهنا مكتسبا ، ومتى فعل العبد ما أراد اللّه وقوعه بفعل من العبد فوقع بغير إرادة من العبد لم يكن مكتسبا ، بل العبد حينئذ إمّا مجزيّ بذلك الفعل الواقع منه لما تقدّم أيضا منه ، وإمّا مجبور عليه لحكمة أرادها اللّه منه ، والمجبور غير مؤاخذ إلّا أن يكون ذلك الجبر أيضا جبرا « 4 » ، كقوله تعالى « 5 » : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ . . الآية ، ويتحقّق ذلك كلّه من فهم قوله تعالى « 6 » : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ . . الآية . نظم في ذلك ليحفظ بسهولة : [ السريع ] من قبل شاء الله ما شاءه * في الكون من نفع ومن ضرّ لحكمة من أجلها أبدع ال * أضداد من حلو ومن مرّ فغير ما قد شاءه لم يكن * ولو كمثقال من الذّرّ ففعله الأمر إذا اختاره * لكونه بالأمر لا يدري كسب له لا بدّ من كونه * كصورة الجبر بلا جبر فالكسب ما يختاره قلبه * ممّا أراد الله أن يجري

--> ( 1 ) سورة البقرة : 225 . ( 2 ) ليس في م . ( 3 ) في م : أراد الله . ( 4 ) وعليه قول ابن الفرغاني : « ما من خطرة ولا حركة إلا بالأمر وهو قوله « كن » . . فلم يدع بهذين الحرفين لعاقل يدّعي شيئا من الدنيا والآخرة . معجم مصطلحات الصوفية : ص 61 . ( 5 ) سورة الأنعام : 110 . وتمامها : . . وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ . ( 6 ) سورة الإسراء : 18 . وتمامها : . . عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ .