ابن عربي

69

شجون المسجون وفنون المفتون

الوجود . وأنكروا أنّ الله تعالى فاعلا على الاختيار ، لأنّه لو كان كذلك ، وفعل بعد أن لم يكن فعل ، اقتضى مرجّحا ومدّة . النّقض : نقول لهم : الوجوب في اصطلاحكم حالة غير حالة الإمكان ، وهو أمر طارئ على الممكن ، والواجب واجب نفسه ، والممكن ممكن لنفسه ، وهما قائمان متماثلان ، فانتقال الممكن « 1 » إلى الوجوب يوجب مرجّحا لواجب الموجود ، وهذا نقض لما توهمتم ، ومعارضة لما أسّستم ، وانقلبت المطالبة لكم بحالها في الممكن كالمطالبة في المختار ، وأنّه يوجب المدّة كما ادّعيتم من أنّ الاختيار يوجب المدّة ، والتّرجيح يقتضي المرجّح . فبانتقال الممكن إلى الوجوب ألزمتم بزعمكم ، وإذا كان الواجب واجبا بنفسه ، والممكن ممكنا بنفسه ، ولا قدرة له على إمكانه ، لأنّ له المعيّة [ 20 / آ ] لا التّبعيّة بعد المعيّة ، وهذا تناقض لأنّ واجب الوجود عندكم علّة لا فاعل بالاختيار ، فكيف وجب وجود الممكن ، وهو بمعنى المعيّة حتّى صار بمعنى التّبعيّة ، والبارئ علّة لا فاعل على الاختيار ، وهذا يؤذن بقدم العالم ، وأنّه مع واجب الوجود . وقولهم بوجوبه بعد إمكانه تلبيس « 2 » منكم على من قصر فهمه عن دحض تمويهكم ، فمن المحال أن ينتقل الممكن إلى الوجوب ، والفاعل لا اختيار له في انتقاله ، والواجب الوجود بذاته أعلى ممّن هو ممكن منتقل « 3 » إلى وجوب ، فذلك تغيّر من ذاته بذاته ، موجب الوجود لذاته وهذا خلف . وبعد ، فإن كان الممكن قديما ، فالقديم لا يؤثّر في القديم ، وإن كان متحدثا فذاته محدثة بإحداث القديم الفاعل بالاختيار « 4 » ، وبطل الوجوب ، والعجب من المحدث الضّعيف أن يروم بذهنه أن يشرف على قدرة المحدث القديم الحكيم . ليدركها

--> ( 1 ) يطلق ابن عرب على ممكن الوجود اسم « لموجود » ولكن لا ينعته بالوجود أبدا ، بل يجعله ثابتا في العدم . المعجم الصوفي : ص 1149 . ( 2 ) في م : « تلبّس » . ( 3 ) في م : « ينتقل » . ( 4 ) في م : « على الاختيار » .