ابن عربي

66

شجون المسجون وفنون المفتون

كيف يسوس العباد ، ومن لم يسس بدنه كيف يسوس البلاد . الثّاني : إذا خلا بنفسه بعد معرفتها وإصلاحها فلا يفكّر في شيء من أمور الطّبيعة وليمت نفسه عن كلّ رذيلة ليحيا بالفضيلة ، وليعلم أنّه إذا خلا بنفسه ، وتخلّى بسوسه ، تختال الطّبيعة في جذبه إليها ، وكلّما لاح لطيف « 1 » روحانيّ باق جذبت بمثله إلى كثيف جثماني « 2 » فان ، فليجذف ولا يظرف . وليعلم المغلوب بكثرة الوساوس والأفكار ، أنّه لا يفيده الهرب منها ، لأنّه إنّما يقطعها حينا ، وتقطعه أحيانا ، وإنّما يفيده الهرب من الحظوظ ، فإذا قطعها انقطعت عنه الأفكار ، ولا ينال ذلك إلّا بحزم « 3 » ، وعزم صادق على الموت . مثال : الصّدق له وجهان ؛ أحد وجهيه ما كسبه بالمجاورة ، والآخر كبقيّة « 4 » الأحجار ، وكذلك القلب . تعليم : صور الأمور الدّينيّة كصور المشمومات ، فلا تحصل من صور المشمومات مهما قدرت ، وأنت لا تفرّق بين رائحة كل واحد ورائحة الآخر ، فإنّ المقصود بالصّور الأرايج « 5 » . فصل : إنّ وراء نطاق النّطق ما هو أدقّ من أوتار العنكبوت .

--> ( 1 ) اللطيف ، أو اللطيفة ، إشارة إلى القلب عن دقائق الحال ، وقيل : إشارة تلوح في الفهم وتلمع في الذهن ولا تسعها العبارة لدقة معناها . معجم المصطلحات الصوفية ، ص 229 . ( 2 ) المعنى بالكثيف الجثماني عالم المدركات والمحسوسات . ( 3 ) في م : « بجزم » تصحيف . ( 4 ) في م : « كيفية » تصحيف . ( 5 ) في م : « الأرايح » تصحيف .