ابن عربي
59
شجون المسجون وفنون المفتون
محاسن « 1 » باب الخير والشّرّ ، وأسّ النّفع والضّرّ ، وأصل الأوّل والآخر ، وجملة الباطن والظّاهر ، منوط بالفكر من كلّ إنسان ، نوما ويقظة في كلّ آن ، فنزّهه عن الاشتغال في القول والفعال ، والقطع والوصال ، وفي سائر الأحوال ، ولو في لمحة خيال . فالدّنيّ الدّاني هو الأوّل الفاني . والسّنيّ هو الآخر الثّاني ، ولقد وضع المعاني تعلّقها بالمباني « 2 » ، كما رفع المباني تضمّنها للمعاني ، وهنا يقال : نظم : [ الخفيف ] نزّه الفكر عن محلّ الفناء * إنّما الفكر سلّم للبقاء حيث فكّرت أنت ذلك فافقه * ما الّذي فيه فكرة الفضلاء موعظة وعلاج : كيف تستمدّ لطائف المعارف ووجه قلبك متوجّه إلى كثائف المآلف ؟ وكيف ترحل إلى أوج المواهب والعوارف ، وأنت مثابر على حضيض العوائد والمتالف ؟ وكيف تجول في ميدان السّرائر ، وفكرك محصور في سجن الظّواهر ؟ وقال : نظم : [ السّريع ] اجنح إلى قلبك واعمل على * أنّك لا تفكر في الفاني وغص إلى الباطن عن ظاهر * لتعرف الأوّل بالثّاني « 3 » إيضاح ووصيّة : الفكر سلّم القلب ، فإن رقي به إلى الظّاهر انقطع ، لأن حدّه الأجسام ، والفاني وإن رقي به إلى الباطن فلا حدّ له ، بل يستمرّ في إدراك المعاني ، ويوصله إلى كلّ أوّل قطعه للثّاني ، فإذا بلغت هذا المقام فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ « 4 » .
--> ( 1 ) في م : « مجانس » . ( 2 ) في الأصل : « بالمثاني » . تحريف . ( 3 ) في الأصل : « بالفاني » تحريف . ( 4 ) سورة البقرة ، الآيات 144 - 149 - 150 .