ابن عربي

159

شجون المسجون وفنون المفتون

احتجاج : لو جمع بين الواجب والممكن من وجه لجاز عليه الدّثور والاضمحلال من ذلك الوجه ، لأنّ الإحاطة بالمعلوم تقضي بتناهيه ، والتّناهي على الحقّ الأوّل محال ، فالإحاطة محال ، ومن علم أمرا من وجه ما لأمن جميع وجوهه ، فما أحاط به ، ولا يمكن أن تنسب إلى الذّوات صفات إلا بعد معرفة الذّوات ، وحينئذ تعرف كيفيّة النّسبة ، فلهذا لا جائز أن يوصف سبحانه بما لم يصف « 1 » به نفسه ، كما يقال : القديم ، وإن جاز عقلا . اعلم أنّ الممكن لا يعلم موجده إلا من حيث هو لا غير ، فنفسه علم ، وأمّا من حيث هو معلول عنه فغير ذلك ، ولا يصحّ أن تكون هذه العلة معلولة « 2 » لمعلولها ، لأنّ العلم بالشيء يؤذن بالإحاطة به ، والفراغ منه كما تقدم . وهذا في ذلك الجناب محال ، فالعلم محال ، ولا يصحّ أن يعلم منه ، لأنه لا يتبعّض ، فلم يبق العلم إلا بما يكون منه ، وهو أنت ، فأنت العالم والمعلوم هاهنا . فإن قيل : علمنا بليس هو كذا علم به ، قلنا : هي نعوتك جرّدته عنها فتميّزت أنت عندك « 3 » عن ذات مجهولة لك من حيث ما هي معلومة بنفسها . وما تميزت لك هي ، وذلك لعدم الصّلات الثّبوتية التي لها في نفسها فافهم ما علمت ، وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً « 4 » ، لو علمته لم يكن هو ، ولو جهلك لم تكن أنت ، فبعلمه أوجدك ، وبعجزك عبدته ، فهو هو له لالك ، وأنت أنت لك وله ، فأنت مرتبط به ، وما هو مرتبط بك ، والوجود هو الخبر المحض ، ومقابله « 5 » العدم وهو الشّرّ المحض ، وله وحدة إطلاق الوجود ، ولا لسواه ، والضّدّان لا يجتمعان .

--> ( 1 ) في م : « لا يصف » . ( 2 ) في م : « معلومة » . ( 3 ) في م : « عنك » . ( 4 ) سورة طه : 114 . ( 5 ) في م : « وقبالته » .