ابن عربي

122

شجون المسجون وفنون المفتون

وغيرهم ، أنّ الأنبياء يوحى إليهم من ربّهم ، وغيرهم من أنفسهم ، أعني بقدر استحقاقها ، يفاض عليهم بحسب القابليّة لا القدرة ، ولهذا عمّ نفع الأنبياء ، فغير النّبي إذا صفت ذاته ، وأدركت شيئا من الحقّ الصحيح ، كان ذلك الإدراك من قبل إيّاها بوجه ، ومن قبل ربّها بوجه آخر ، والمدرك واحد لا يتغيّر . كما أنّ العبد ملك لزيد ، وهو بعينه ملك لله تعالى ، ولا شركة ، فالمركوز في جبلّة النّفس ثابت فيها من حيث الخلقة ، وهو مستور عنها بعوائق الحواس « 1 » الباطنة والظّاهرة ، وقد جعل الله لظهور ما فيها شروطا عائدها تارة إلى العبد بإرادته ، وتارة بغير إرادته كما في النّوم ، ويرجع إلى كسب ، أو هبة ، فإذا قيل : علم زيد كيت وكيت ، فهو علم من جهة نفسه ، وهو بعينه من جهة ربّه ، فما كان بغير إرادته فهو إمّا هبة ، ولا يكون إلّا حقّا ، كما يكون للأنبياء ، وإمّا جزاء ويكون حقّا وباطلا ، فما تعلّق للعبد به ، فلا حاجة إلى ذكره ، إذ لا يجزى إلّا بكسبه . وكلّ ما هو راجع إلى العبد ، فإنّما هو من نفسه لنفسه ، وكلّ ذلك دون رتبة الأنبياء عليهم السّلام ، ومن طالع ذاته مستقرئا ، رأى ما لا عين رأت مخلوقا بها حاضرا « 2 » مجبولا في جبلّتها . ومن تحقّق أنّ ذاته مأوى الكلّ من الماضي والمستقبل ، فإنّه لا يحزن على شيء [ 31 / ب ] من الفائت « 3 » عند مفارقته له ، إذ هو وغيره موجود معه فعاد غنيّا بذاته ، وهذا علامة الذّائق « 4 » دون العالم فقط ، وهذا الذّائق إذا تحقّق أنّ ذاته « 5 » محدثة ، وإنّ المحدث لا يدرك محدثه بوجه أنف من نفسه لنفسه ، إذ كلّ ما وصل إليه إنّما هو منه فهو « 6 » محدث مثله ، فلم يرض لنفسه بنفسه فضلا عمّا يرد عليه « 7 » منها فقام ينفي علومه ،

--> ( 1 ) في م : « الحسّ » . ( 2 ) في م : « خاطرا » . ( 3 ) في م : « الفانيات » . ( 4 ) الذائق من الذوق وهو ضرب من المعرفة الصوفية لله تعالى ، يقول القاشاني : « هو أول درجات شهود الحق بالحق في أثناء البوارق المتوالية » . اصطلاحات الصوفية : ص 162 . ( 5 ) « أن ذاته » ليس في م . ( 6 ) ليس في م . ( 7 ) في م : « عليه غيره منها » .