ابن عربي
119
شجون المسجون وفنون المفتون
إيضاح : النّفس حقيقة تنمو كلّ آن ، فهي غيرها لتغيّرها مع الأحيان ، ولها تصوّر ويمثّل ما يكون ، ويحفظ ما كان ودوام « 1 » سير الفلك يعطي أن لا وقفة للزّمان ، فإذا تصوّرت ذاتها في الماضي والآتي من الأزمان ، وإن كانت واحدة فالمخاطب والمخاطب اثنان . شعر « 2 » : [ الطويل ] هي النّفس تنمو دائما ونموّها * دليل حدوث العالم المتجدّد زيادتها في أمس دلّت حقيقة * على أنّها في اليوم أنقص من غد فنقصانها بالذّات أصبح شاهدا * لربّ براها بالكمال المؤبّد تنبيه : اعلم إنّما ترى الأشياء بحسب نظرك ، فيقال : إنّك الرّائي والمرئيّ ، وليس لاتحاد الحقيقتين . واعلم أنّ المرئيّات كلّها لها اعتباران ، أحدهما من جهة الرّائي ، والآخر من جهة المرئيّ في ذاته ، فالمرئيّ في ذاته له حقيقة غير حقيقته الحاصلة له وصفا من حيث الرّائي ، فمن قطع إيّاه رأى الأشياء على حقائقها من جهة ذواتها ، لا بحسب نظره . وهذا محلّ نظر الأنبياء عليهم السّلام ، وأمّا غيرهم من سائر الخلق فإنّما يرى ما يراه باطنا وظاهرا ، نوما ويقظة ، بحسب نظره لا بحسب المرئيّ في ذاته ، فدرجة العوام رؤية الواحد كثيرا ، ودرجة الخواصّ رؤية الكثير واحدا ، وأعني بالخواصّ هاهنا المنفردين عن الأنبياء ، وكلاهما مرض ، إذ يعرض للبصيرة ما يعرض للبصر ، كما يعرض من تغيّر المرائي لتغيّر لون الجليديّة « 3 » ، فتارة يتغيّر المتغيّر « 4 » ألوانا ، والمرئيّ واحد في لونه ، وهو مثال درجة العوام ، وتارة يثبت التّغيّر على لون واحد ، فيثبت المرئيّ ضرورة ، وهو مثال درجة
--> ( 1 ) في م : « ودوائر » . ( 2 ) الأبيات لساقطة من م . ( 3 ) في م : « الجلديّة » . ( 4 ) في م : « التغيّر » .