ابن عربي

116

شجون المسجون وفنون المفتون

غاية ما في الباب لمن عنده علم الكتاب : صفتك الحقيقيّة هي الّتي أمرت بها « 1 » ، وهي ما أراده بك لك ، وسمّاه له كرما عليك ، وذلك هو المثبوت « 2 » في كتابه إليك ، بحسب الكتاب ، لا بحسب فهمك من الخطاب ، وإلى هذا يشار بقول القائل : للّه وباللّه فافهم « 3 » ، واللّه أكبر ، فمتى قمت به في حال [ 30 / آ ] من أقوال أو أفعال ، ولم يبق شيء من هواك ، لم يبق إلّا إيّاك ، وهذا غاية مناك ، ومتى عدت إليك ، فقد رجعت عنك الّذي هو به ، وكذلك فانظر في الكلّ مثاله : مخاطب خاطب غيره بحكم الكتاب ، فقامت حقيقة المخاطب في ذات المخاطب صورة تعطي ولا تخطئ ، فمتى مال المخاطب ذرّة عن حقيقة إيّاه ، تغيّرت فيه حقيقة سواه ، فظهر منحرفا عن الكتاب فوقع عليه الإنكار في الجواب ، فحصل الخلاف والجدل ، وسقط القول والعمل ، لتغيّر الحقيقتين المطلوبتين من الاثنين ، الّتي هي غاية المتخاطبين . فانحراف الثّاني لانحراف المقدّم ، فإن تكافيا في الانحراف سقط الإنصاف ، والّذي ترك هواه عاد إلى إيّاه ، فارتفع الخلاف بالخلاف ، وتلافى غيره فأنقذه من التّلاف ، وأدنى الغضب خروج عن الأدب ، والخروج عن الأدب سبيل إلى العطب ، وعلامة الوسواس تغيّر الأنفاس . وغضّ الأصوات فرض في المناجاة ، وكما أنّ رفع الأصوات يمنع الأذن من السّماع الظاهر ، فكذلك يمنع القلب من النّظر في الباطن ، وأنبياء اللّه في الباطن هي العقول : لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ « 4 » . بيان : الإنسان منطو على سائر المخلوقات ، فليتفقّد أفعاله دائما وينسبها ، فمهما استمرّ على فعل ، ورضي به ، فهو من قبيل صاحب ذلك الفعل ، كالشّهوة للخنزير ، والفساد

--> ( 1 ) في م : « التي به » . ( 2 ) في م : « المبثوث » . ( 3 ) في م : « فافهمه » . ( 4 ) سورة الحجرات : 2 .