ابن عربي
106
شجون المسجون وفنون المفتون
رأيتها كثيفة متغيّرة الموادّ والأشكال ، وظلمة الأجساد الموجبة للاختلال ، فمن شهد المثال زهد في الأهل والمال ، ولذّات الخيال . ومن عمل للمآل بلغ الآمال ، ووجد ما فقد باقيا على أيسر « 1 » حال ، وأنعم بال ، وكما هاهنا محلّ المتاعب ، وعدم اللّذّات الفانيات ، فهنالك مقرّ الرّاحات ، ودوام اللّذّات الباقيات . علاج : كما أنّ النّفس في الظّاهر إذا منعت محبوبها ضاقت وغضبت ، كذلك في الباطن قد يحتجب عنها أمر حقّ ، فيجد الإنسان انحصارا وضيقا لا يعلم له سببا ، فليبعد عن الفاني تكشف له المعاني . كشف ردى وسبيل هدى : لا معنى للظّلم إلّا أن تمنع « 2 » الغير شيئا يستحقّه من الخير ، فالّذي ظلم نفسه هو الّذي منعها حظّها من الصّلاح بميله إلى الفساد ، وإنّما خلق ميّالا إلى الطّرفين ليميل عن الشّرور والشّهوات إلى العقليّات ، فمن حيث مال إلى الأدنى فقد ظلم نفسه بمنعها عن حظّها من الأسنى ، فهاهنا هو إنسان ظالم ، وهنا هو إنسان عادل ، وبهذا يعلم « 3 » معنى قولهم : أوّل مراحلك أن ترحل عنك إليك ، ثمّ ترحل إلى ما كنت به إليك عنك ، ثمّ تصير إلى من به « 4 » رحيلك ، وهو الّذي كان معك في الطّريق ، ولاطفك في كلّ حال ، وأخبرك عنك ثمّ نبّأك « 5 » بما لم يكن سرّه وعلانيّته إليك ، فلمّا صفاك واستصفاك « 6 » صافاك ، ولمّا صافاك قطع كلّ ما بينك وبين غيرك ، ثمّ قطع كلّ ما بينك وبينه « 7 » ، ثمّ جمع
--> ( 1 ) في م : « أسرّ » . ( 2 ) في م : « يمنع » . ( 3 ) ليس في م . ( 4 ) في م : « ما به » . ( 5 ) ليس في م . ( 6 ) في م : « واصطفاك » . ( 7 ) في الأصل : « وبينك » .