ابن عربي
31
ديوان ابن عربي
أيا كعبة الأشهاد يا حرم الأنس * ويا زمزم الآمال زمّ على النّفس سرى البيت نحو البيت يبغي وصاله * وطهر بالتحقيق من دنس اللبس فيا حسرتي يوما ببطن محسر * وقد دلّني الوادي على سقر الرّجس « 1 » تجرّعت بالجرعاء كأس ندامة * على مشهد قد كان مني بالأمس « 2 » وما خفت بالخيف ارتحالي وإنما * أخاف على ذي النفس من ظلمة الرّمس « 3 » لمزدلف الحجاج أعملت ناقتي * لأنعم بالزّلفى وألحق بالجنس « 4 » جمعت بجمع بين عيني وشاهدي * بوترين لم أشهد به رتبة النفس خلعت الأماني بعد ما كنت في منى * وطوّفتها فانظره بالطرد والعكس ففي الجمرات الغرّ في رونق الضحى * حصبت عدوّ الجهل فارتدّ في نكس ركنت إلى الركن اليماني لأن في اس * تلام اليماني اليمن في جنة القدس صفيت على حكم الصفا عن حقيقتي * فما أنا من عرب فصاح ولا فرس أقمت أناجي بالمقام مهيمنا * تعالى عن التحديد بالفصل والجنس فشاهدته في بيعة الحجر الذي * تسوّد من نكث العهود لذي اللمس « 5 » وبالحجر حجرت الوجود وكونه * عليّ فلا يغدو الزمان ولا يمسي وفي رمضان قال لي تعرف الذي * تشاهده بين المهابة والأنس فلما قضيت الحج أعلنت منشدا * بسيري بين الجهر للذات والهمس سفينة إحساسي ركبت فلم تزل * تسيرها أرواح أفكاره الخرس فلما عدت بحر الوجود وعاينت * بسيف النهي من جلّ عن رتبة الأنس « 6 » دعاني به عبدي فلبّيت طائعا * تأمل فهذا القطف فوق جنى الغرس فعاينت موجودا بلا عين مبصر * وسرّح عيني فانطلقت من الحبس فكنت كموسى حين قال لربّه * أريد أرى ذاتا تعالت عن الحسّ فدكّ الجبال الراسيات جلاله * وأصعق موسى فاختفى العرش في الكرسي وكنت كخفّاش أراد تمتعا * بشمس الضحى فانهدّ من لمحة الشمس فلا ذاته أبقى ولا أدرك المنى * وغودر في الأموات جسما بلا نفس ولكنني أدعي على القرب والنوى * بلا كيف بالبعل الكريم وبالعرس
--> ( 1 ) سقر : جهنم . الرجس : القذر . ( 2 ) الجرعاء : الرملة الطيبة المنبت لا وعوثة فيها . ( 3 ) الخيف : الناحية ، وموضع . الرمس : القبر . ( 4 ) الزّلفى : القربى . ( 5 ) نكث العهد : نقضه . ( 6 ) النّهى : العقل .