ابن عربي

96

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

وأما تخصيص الحاجر والبارق والثهمد فإنّ المنع واقع عند بلوغ هذا المورد والندا بعد فكأنه نقيض حاله لو نادى بالحاجر وكذلك البارق فإنه في مشهد ذاتي وكذلك الثهمد فإنّ البرق متصل به مضاف إليه ، كما قال طرفة بن العبد « 1 » : لخولة أطلال ببرقة ثهمد فأراد هنا يا برقة ثهمد فحذف والضمير الذي بعد يعود على الوصول كأنه قال : بعد الوصول لا بعد المورد إذ لا بعدية هناك . والعب كما لعبت أوانس نهّد * وارتع كما رتعت ظباء شرّد في روضة غنّاء صاح ذئابها * فأجابه طربا هناك مغرّد كنّى بالروضة عن الحضرة الإلهية بما تحويه من الأسماء المقدسة والنعوت واللعب تصرف حالات متنوعة ، وهي انتقالات هذا العبد من اسم إلى اسم بحالة الأنس والجمال والذوق ، ولهذا قال : العب وارتع ، وأوقع التشبيه بالأوانس لما ذكرناه ، والنّهد لأنها محل الرضا ، واللبن الفطرة التوحيدية التي طلب النبي صلى اللّه عليه وسلم الزيادة منها كما أمره الحق تعالى ، وأشار إلى ميازيب العلوم التوحيدية الفطرية . وأوقع التشبيه أيضا في الذوق بالظبي الشرد لبعدها من الأغيار فتأتي الأماكن التي لم تدنسها الأقدام فتطيب مراعيها وتصفو مشاربها ، وكأنه دله على علم التنزيه والتقديس ، وكنّى بالغناء عن الفهوانية ، والذئاب الأرواح اللطيفة . وقوله : فأجابه طربا ، من مقام السرور والابتهاج ، والمغرد النفس الإنسانية من حيث ما لها في تلك الحضرة من الصور ، فإنّ للنفس الإنسانية في كل حضرة وفلك ومقام صورة ، وقد نبّه على ذلك عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما في تفسيره المنسوب إليه . رقّت حواشيها ورقّ نسيمها * فالغيم يبرق والغمامة ترعد يقول : لطفت معاني ما تحمله من الظروف والأدب ، ولطف عالم الأنفاس منها ، وقوله : فالغيم يبرق والغمامة ترعد إشارة إلى حالتين : مشاهدة وخطاب « وجاء ربك في ظلل من الغمام » « 2 » و « كان

--> ( 1 ) هو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد البكري الوائلي ( نحو 86 - 60 ق ه - نحو 538 - 564 م ) أبو عمرو . شاعر جاهلي من الطبقة الأولى . ولد في بادية البحرين ، وتنقل في بقاع نجد . واتصل بالملك عمرو بن هند فجعله في ندمائه ثم أرسله بكتاب إلى المكعبر يأمره فيه بقتله لأبيات بلغ الملك أن طرفة هجاه بها ، فقتله المكعبر شابا في « هجر » . الأعلام 3 / 225 ، وشرح شواهد المغني 272 ، والشعر والشعراء 49 ، وسمط اللآلي 319 . ( 2 ) الغمام : ( ج ) الغمامة : السحابا ، أو البيضاء من السحاب .