ابن عربي
84
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
بعيد السّحير قبيل الشّروق وهو زمان العروج من النزول الإلهي إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل في طلوع الفجر ، يقول : انقضى الوقت ولم نحصل على المطلوب ، وجعل ذلك رزية فقال : بيضاء « 1 » غيداء بهتانة * تضوع نشرا كمسك فتيق « 2 » يقول : رزئنا بفقد بيضاء أي فيها شك ، يريد هذه الصفة الذاتية التي هي مطلوبة ، وقوله : غيداء ، يقول : مع كونها جليلة القدر لها ميل إلينا وهو النزول الذي ذكرناه ، ومع هذا فلا نحصل منه ما يضبطه علم ، أو عقل ، أو وهم ، أو خيال ، والبهتانة : الطيبة الريح . يقول : إنّ لهذه الصفة في قلوبنا طيبا ونشرا ، يقول : وإن لم نشهد ذاتها فإنّ لنا منها ما لنا من المسك رائحة ، وإن لم نشهد عينه ، وهي هذه الآثار الإلهية التي في قلوب العباد ، غير أنّ كل واحد ليس له مشم لإدراك ما هي عليه من العطرية والنشر الطيب ، وشبهها بالمسك لأنه أطيب الطيب ، ولا سيما إذا كان مفتتا فهو أطيب وأليق بالمشام الإنسانية ، ولو كان ثم ما هو أطيب من تلك الرائحة أوقع التشبيه به فقال : تمايل سكرى ، كمثل الغصون * ثنتها الرّياح كمثل الشّفيق « 3 » يقول : تمايل سكرى ، أراد تمايل وهو النزول كما ذكرناه ، وقوله : سكرى يشير إلى مقام الحيرة لأنّ السكران حيران ، فإنّ الميل إلينا لا يكون إلّا بقدر ما يقع به التفهم عندنا مما يناسب ، كأحاديث الضحك والفرح والتبشيش وما أشبه ذلك . وقوله : كمثل الغصون ، لأنها محل الثمر ، أي ميلها للإفادة ، وقوله : ثنتها الرياح ؛ أي أمالتها الهمم بطلبها إياها ، فإنه تعالى يقول : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] ، و « من تقرب إليّ شبرا تقربت منه ذراعا » « 4 » فقربك شبرا أدى تقريبه إليك ذراعا ، شبرا لشبر جزاء وللشبر الآخر جزاء ، والشبر الآخر الزائد للمنة الإلهية والفضل الخارج عن الكسب ، وقوله : كمثل الشقيق ، وهو الحرير الخام الذي لم تدخله صنعة الآدمي يقول : أي أنها على ما هي عليه . بردف مهول كدعص « 5 » النّقا * ترجرج مثل سنام الفتيق « 6 »
--> ( 1 ) في نسخة أخرى : ببيضاء . ( 2 ) تضوّع المسك ونحوه : فاح وانتشرت رائحته . ( 3 ) في نسخة أخرى : الشقيق . ( 4 ) سبق تخريجه . ( 5 ) الدّعص : الكثيب المجتمع من الرمل ( ج ) أدعاص ، ودعصة . ( 6 ) في نسخة أخرى : الفنيق .