ابن عربي
82
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
الرقيّ إليه هذا الروح المكنّى عنه بالنسر والأنوق ، لما لم يكن في الطير من يفرخ في موضع أعلى منه ولا أحمى خوفا على بيضه ، كانت العرب تضرب به الأمثال في كلامها لعلوه وارتفاعه ، وكنّى عنه بالبيض أي صفة النتاج التي تكون عنه هذه الأرواح البرزخية ، ثم وصف العلم بأن عليه زخارف منقوشة ، يريد بها التجلي بالخلق الإلهية ومنقوشة ثابتة ، وشبهه بالعقوق لارتفاعه وعلوه . [ همة العاشق ] وقد كتبوا أسطرا أودعوها * ألا من لصبّ غريب مشوق له همّة فوق هذا السّماك * ويوطأ بالخفّ وطء الحريق « 1 » ومسكنه عند هذا العقاب * وقد مات في الدمع موت الغريق « 2 » شرحه بلسان الأدب يقول : هذا العاشق إن همته على علوها أنزل عن الحب عليه وسلطانه عليه من الذل أن يوطأ بالخف ، ثم تغالى في ذكر كثرة دموعه أنه مات غريقا فيها مع سكناه في هذا الموضع . المقصد : يقول : وقد كتبوا أسطرا أودعوها ، يريد الكتابة الإلهية من كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [ الأنعام : 54 ] بكم في مقام العزة الأحمى ، وقوله : ألا من لصبّ ، يريد مائل إلينا بالمحبة غريب من قوله عليه الصلاة والسلام : « فطوبى للغرباء من أمتي » « 3 » ، والغربة مفارقة الوطن ، ووطن الكون عبارة عن وجوده لربه وغربته نزوحه عنه إلى وجوده لنفسه مع مفارقة العين لا بد من ذلك ، وقد أشرنا في المفاريد لنا في هذا المعنى بقولنا : إذا ما بدا الكون الغريب لناظري * حننت إلى الأوطان حنّ الركائب وقوله : مشوق ، طالبا للقاء المحبوب بضرب من الهيجان ، وقوله : له همة فوق هذا السّماك يقول : إن همته فوق الكون ، أي لا تعلق لها به ، ولكنه مع هذا يوطأ الخف إشارة إلى ما ندب إليه من التواضع طلبا للرفعة في قوله عليه الصلاة والسلام : « أي من تواضع للّه ، أي من أجل اللّه ، رفعه اللّه » « 4 » ، وقوله : ومسكنه فوق هذا العقاب ، البيت ،
--> ( 1 ) السّماك : السماكان : نجمان نيران . يقال لأحدهما : السماك الرامح وللآخر السماك الأعزل . الخفّ : ما يلبس في الرّجل من جلد رقيق . ( 2 ) العقاب : طائر من كواسر الطير قوي المخالب ، حاد البصر ، له منقار قصير أعقف ( ج ) عقبان . ( 3 ) أخرجه مسلم ( إيمان 232 ) ، والترمذي ( إيمان 13 ) ، وابن ماجة ( فتن 15 ) ، والدارمي ( رقاق 42 ) ، وأحمد بن حنبل 1 ، 398 ، 2 ، 177 ، 389 ، 4 ، 73 ) . ( 4 ) أخرجه مسلم ( برّ 69 ) ، والترمذي ( برّ 82 ) ، والدارمي ( زكاة 34 ) ، والموطأ ( صدقة 12 ) ، وأحمد ابن حنبل 2 ، 386 .