ابن عربي
79
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
تخلق فاعلم ذلك : ترنوا ، إذا لحظت بمقلة شادن * يعزى لمقلتها سواد الإثمد « 1 » يقول : رؤيتها رؤية من لا يحصل في اليد منه شيء ، ولكن بعين كحلاء أي تنظر في سواد وهو الغيب الذي لا يدرك ما فيه إلا هو سبحانه ، وأراد بالملاحظة هنا ملاحظة من يدعو قلوب المحبين إلى حسن جماله ، فما أراد اللحظ المطلق فإنه لا يقع به الفائدة في العالم أصلا وإنما الفائدة من جانب الحق لعباده بكل ما أعطى التقييد ، فإنه إذا تقيد تميز وتعينت المرتبة وعرف الفرق بينه وبين من لم يحصل له هذا المقام ، وذكر المقلة دون اسم آخر من أسمائها لأن فيها معنى العوض ، وقد جاء في الحديث في الذباب إذا وقع في الطعام « أن يمقل » أي يغمس كله « فإن في جناحيه الواحد داء وفي الآخر دواء من ذلك الداء » « 2 » وقوله : يعزى ، يقول : تنسب الأشياء إليها ما تنسب هي لشيء فإنّ الأشياء متعلقة بها . بالغنج والسّحر القتول مكحّل * بالتّيه والحسن البديع مقلّد « 3 » هيفاء تهوى الذي أهوى ولا * تف للذي وعدت بصدق الموعد يقول : إذا تجسدت المعاني في عالم المثال وظهرت صورا في الجسم المشترك كما أخبر عليه السلام من أنّ « الزهراوين البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة لهما لسانان وشفتان يشهدان لمن قرأهما » « 4 » ومعلوم حقيقة الكلام وأنه معنى من المعاني جثمانيا كان أو غير جثماني ، وكالدين في صورة القيد والعلم في صورة اللبن والإنسان في صورة العمد ، فيقع النعت من الناعت والوصف من الواصف لهذا المعنى على هذه الصورة التي يظهر فيها له في عالم المثال فيوصف بما توصف به الصورة التي يتجلى فيها ، ولما كان الغنج فتورا في العين وتوصف العين بالسحر لأنها تحول بين المرء وقلبه ، فكل علم حال بينك وبين ذاتك من جهة الجمال في رحمة إلقاء ونزول ألطاف فيشار بهذه الصفة إليه إذا جعلها تجلية في صورة عين . وقوله : بالتيه ومعناه الحيرة أي عند وصفه تحير الناظر فيه عن إدراك حقيقته ، والحسن البديع يزيد الجمال وهو بديع عندنا لا في نفسه كما قال تعالى : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [ الأنبياء : 2 ] ، يعني عندنا لا في نفسه فهو محدث النسبة لا محدث العين وكنّى عنه بالإبداع أي لم يظهر على مثال سبق . وقوله : مقلد ، يعم الجنبين وهما العطفان عطف اليمين باليمين واليسار باليسار ، كتقليد السيف والقلادة ومروره على الصدر والقلب فيعطى من
--> ( 1 ) الشادن : ولد الظبية خصوصا ( ج ) شوادن . الإثمد : حجر يكتحل به أو الكحل الأسود . ( 2 ) أخرجه البغوي في ( شرح السنة 11 / 261 ) ، والتبريزي في ( مشكاة المصابيح 4144 ) . ( 3 ) السّحر : السحر الكلامي : لطافته المؤثرة في القلوب وغرابة تأليفه وإبداع تركيبه . ( 4 ) أخرجه مسلم ( مسافرين 252 ) .