ابن عربي

73

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

يقول : لو رأيتم هذه الأحوال التي نحن فيها ، لرأيتم مقاما وراء ظهور العقل ، وهو اتحاد صفة القهر بصفة اللطف ، إشارة إلى ما قال أبو سعيد الخراز « 1 » ، وقيل له : بم عرفت اللّه ؟ فقال : بجمعه بين الضدين وهو الأول والآخر والظاهر والباطن من وجه واحد لا بد من ذلك خلافا لما تعطيه قوة العقل ، فإنّ العقل يدل عليه من حيث مبلغه أنه أول من وجه كذا وآخر من وجه كذا ، وظاهر من وجه كذا وباطن باعتبار كذا ، وليس الأمر كذلك ؛ فإن القوى التي خلق اللّه الإنسان عليها ما تتعدى حقائقها ، فقوة الشم لا تعطى سوى إدراك العطر والنتن ، وكذلك كل قوة ، والعقل أيضا لا يعطى سوى ما تقتضيه قوته في نظره في دليله لا غير ، والسر الرباني يعطي أيضا ما يليق به وما في قوته فقد يستحيل أمر ما بالنسبة إلى العقل ولا يستحيل ذلك بالنسبة إلى الحق ، وهذا المحكوم عليه لا بد أن يكون مجهول الحقيقة عند العقل لكن العقل يزعم أنه يعرفه وهذا محال ، ومن الدليل على ذلك أيضا أنّ العقل لا شك جاهل بحقيقة الحق سبحانه غير عارف بذاته من حيث الصفات الثبوتية ، ومع هذا ينفي عنه بدليله فيما يزعم أنّ الحق تعالى لا يكون ظاهرا من الوجه الذي يكون باطنا فلا ينبغي أن يتحكم في معرفة اللّه من حيث الذات بالعقل وحظ العقل معرفة كون الحق إلها أوجدنا . ونحن مفتقرون إليه في إيجادنا واستمراره فاعلم ذلك . كذب الشاعر الذي قال قبلي * وبأحجار عقله قد رماني يقول : كذب العالم من طريق الشعور بالأمر لا من طريق التصريح ، فإنّ العقل يعلم شيئا من طريق التصريح ويعلم أشياء من طريق الشعور أنها مشعور بها ، ولكن يتوقف فيها لعدم الوضوح لما هي عليه من العزة . وقوله : بأحجار عقله أي بدلائل عقله بحيث أن يرد ما هو مقدور للحق أو واجب إلى عين هذه الصفة ، فيعترض عليّ ، ويقول : هذه مخيلة دليل العقل وهو صادق ، فإنّ دليل العقل مخيلة لا دليل الحق من إيراد الكبير على الصغير من غير أن يصغر الكبير أو يوسع الضيق ، ثم ضمن في هذه القصيدة هذين البيتين لبعض الشعراء لاجتماعهما في المعنى فقال : يرى نارا كما رأى موسى عليه السلام : أيها المنكح الثرّيا سهيلا * عمرك اللّه كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استهلّت * وسهيل إذا استهلّ يماني يقول : الثريا سبعة أنجم ، وسهيل نجم واحد ظاهر يمني ، والثريا شامية ، يقول :

--> ( 1 ) هو أحمد بن عيسى الخراز ( توفي 286 ه - 899 م ) أبو سعيد من مشايخ الصوفية . بغدادي نسبته إلى خرز الجلود . قيل : إنه أول من تكلم في علم الفناء والبقاء . له تصانيف في علوم القوم منها « كتاب الصدق ، أو الطريق إلى اللّه » . الأعلام 1 / 191 ، وشذرات 2 / 192 ، واللباب 1 / 351 ، والرسالة القشيرية ص 409 .