ابن عربي

61

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

وقد حكي عن أبي يزيد وغيره في هذا المقام حكايات معروفة ، فإنه فتح له من مقام النبي صلى اللّه عليه وسلم قدر خرم « 1 » الإبرة تجليا لا دخولا فاحترق ، ومثل هذا كثير ، والهمة لا تعجز عن الطلب ولا عن التعلق ، ولكن ما كل ما يراد ويتعلق به ينال ، فلهذا لا يحجر على تعلق الهمم والفائدة في تعلقها ، وإن لم يحصل لصاحبها قدم في ذلك قبل نيل الإشراف على المطلوب والتنزه فيه كمن يتنزه فيما هو خارج عنه بجسمه وبصره يدركه كتفرجنا في زينة الكواكب في السماء ونحن بذواتنا في الأرض ، ولهذا قال : فإذا وقفت على معالم حاجر * وقطعت أغوارا بها وجبالا يقول : فإذا وقفت على موضع الحجر الذي ذكرناه الحائل بيننا وبين حصولنا فيه بالحال ، وقطعت المواضع الغيبية التي هي الأغوار ، والسبل التي هي الجبال التي يهدينا الحق إليها بعد الجهاد من قوله تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] ، يقول : فإذا حصلت هذه الحالات تقرب من المنازل العلية فقال : قربت منازلهم ولاحت نارهم * نارا قد أشعلت الهوى إشعالا يقول : قربت منازلهم لك ، وقوله : ولاحت نارهم ، أي المكاره التي اقتحموها حتى أوصلتهم إلى هذه المنازل العلية ، « فإنّ الجنة حفت بالمكاره » « 2 » كما ذكر لي بعض المكاشفين بالموصل « 3 » ، وكان من الصادقين ، أنه رأى معروفا الكرخيّ « 4 » رضي اللّه عنه في وسط النار قاعدا فهاله ذلك ، وما عرف معناه ، فلما ذكره لنا قلت له : تلك النار هي الحمى على منزله الذي رأيته فيه قاعدا ، فمن أراد أن ينال ذلك المنزل الذي هو فيه فليقتحم إلى هذه النار والغمرات فسررته بذلك وعرف أنه الحق ، فهذا هو النار الذي أراد به صاحب هذا القول ، وقوله : قد أشعلت الهوى إشعالا ؛ يقول : أضرمت في القلب نار الحب لنيل هذا المقام ليكون تأييدا له وقوة على اقتحام الشدائد في نيل المطلوب الذي تعلق به قلبه ، ثم قال :

--> ( 1 ) خرم الإبرة : ثقبها . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) الموصل : المدينة المشهورة العظيمة إحدى قواعد بلاد الإسلام قليلة النظير كبرا وعظما وكثرة خلق وسعة رقعة فهي محط رحال الركبان ومنها يقصد إلى جميع البلدان فهي باب العراق ومفتاح خراسان ومنها يقصد إلى أذربيجان . ( معجم البلدان 5 / 223 ) . ( 4 ) هو معروف بن فيروز الكرخي ( توفي 200 ه - 815 م ) أبو محفوظ ، أحد أعلام الزهاد والمتصوفين كان من موالي الإمام علي الرضى بن موسى الكاظم . ولد في كرخ بغداد ، ونشأ وتوفي ببغداد . اشتهر بالصلاح وقصده الناس للتبرك به حتى كان الإمام أحمد بن حنبل في جملة من يختلف إليه ولابن الجوزي كتاب في « أخباره وآدابه » . الأعلام 7 / 269 ، وطبقات الصوفية 83 - 90 ، ووفيات الأعيان 2 / 104 ، والرسالة القشيرية ص 427 .