ابن عربي

56

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

فحظ أهل الغفلة من هذا البيت اشتغالهم بالأكوان وملازمتهم لهذه السدف « 1 » الطبيعية الشهوانية بالتمتع واللذات ، وحظ أهل اللقاء الذين ذكرناهم من هذا البيت ، يقول : يا من اختطف عنه هذا المقام فبقي فيه شبه النائم في الليل هنئته أي هنئت هذا الرقاد الذي هو فناؤك بضرب من الراحة واللذة . وقوله : فقبل الممات ؛ أي قبل انفصالك عن هذا الجسد الانفصال التام قد اتصفت بتلك الحالة مع تعلق التدبير فيه منك فإنك في حالة فناء لا موت فلا بد من الرجوع ، ولكن الحال ما يعطى إلّا مخاطبة أصحاب الغفلات . وأما قوله : فلو كنت تهوى الفتاة العروبا * لنلت النّعيم بها والسّرورا « 2 » يخاطب هذا الراقد يقول له : لو تعشقت بهذه الفتاة الحسناء التي هي الصورة الذاتية التي هي مطلب العارفين لنلت النعيم بها والسّرورا يريد بسببها أي وإنها إن لم تحصل فإنّ تجليها إليك يتضح لذلك التجلي كل ما في ملكك فيظهر جميع ملكك لك بتلك الصورة الذاتية فلو لا تجليها ما اكتسبت المملكة هذه الصورة الحسناء فالنعيم بجميع الملك للمشاهد مع هذا التجلي نعيم بالذات في صورة الملك ، لأن الذات تضيء ولا يلتذ إلا بالمواد . تعاطي الحسان خمور الخمار * تناجي الشّموس تناغي البدورا يقول : هذه الصورة التي اكتسبت حسن الصورة الذاتية بالتجلي الذي ذكرناه ، تعاطيك بالغنج « 3 » والحديث ما يعطيك الخمر من الطرب والسرور واللذة ، ولما كان المشهد ذاتيا لذلك قال : تناجي الشموس تناغي البدورا فإنّ الشارع شبه الرؤية في الدار الآخرة بالشمس والقمر ، فقال : ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر وكما ترون الشمس ، وجعل المناجاة للشمس إفصاح وإيضاح وبيان في الحديث ، لأنه نهار ، ونسب المناغاة للبدر لأنه نور الليل وهو إجمال لا تفصيل وبيان ومحل رمز ، فإنّ المناغاة الغالب في استعمالها للطيور ، فلهذا جعل المناغاة للبدور . [ داعي الحق والعوائق التي تعترض همم السالكين ] وقال رضي اللّه عنه : يا حادي العيس لا تعجل بها وقفا * فإنني زمن في إثرها غادي يقول : الروح الإلهي الناطق من الإنسان المأمور بتدبير هذا البدن للداعي من جانب الحق الذي كنّى عنه بالحادي والعيس الهمم يقول له : لا تعجل بسيرها يريد حتى تنظر بأي حقيقة إلهية ذاتية تعقلها ، وأمره بالوقوف على التوكيد فثنّاه كما قال الحجاج :

--> ( 1 ) السدف : ( ج ) السدفة : الظلمة . ( 2 ) العروب : المرأة المتحببة إلى زوجها والمطيقة له ( ج ) عرب . ( 3 ) الغنج : الدلال .