ابن عربي
53
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
ولهذا أحس به العارف عند وداعها ورحيلها بألم الفراق فبكى وأحرقته نار الاشتياق إليها ، وقد يريد بقوله : فأذرت دموعا ، أي أرسلت هذه النكتة في القلب علوما من علوم المشاهدة تؤثر في القلب اشتياقا شديدا واصطلاما ، ثم قال : فلما تولّت وقد يمّمت * تريد الخورنق ثم السّديرا يريد رجوعها إلى الأصل الذي منه ابنعثت ، والصدد الذي منه صدرت ، فكنّى عنها بالخورنق والسدير ، والخورنق قصر بأرض الكوفة والسّدير أرض . [ دعاؤه بالهلاك على عالم التقييد ] دعوت ثبورا على إثرهم * فردّت وقالت : أتدعو ثبورا فلا تدعونّ بها واحدا * ولكنما ادعوا ثبورا كثيرا يقول : دعوت بالهلاك على عالم التقييد والتركيب الذي مسكني عنه استصحاب هذه العلوم الإلهية والأسرار العلية التي هي مشهد العالم البسيط على الدوام ، وقوله : فردت وقالت : أتدعو ثبورا ؟ تقول له : يا محجوب لم لم تر وجه الحق في كل شيء في ظلمة ونور ومركب وبسيط ولطيف وكثيف حتى لا تحس بألم الفراق وتغيب عن المطلوب عنك في كل شيء ، فإذا ولا بدّ وقد دعوت بالهلاك على عالم التركيب بهذا الحجاب الذي قام عندك . فلا تدعونّ بها واحدا * ولكنّما أدع ثبورا كثيرا يقول : ما هو مخصوص بهذا المقام وحده بالمحجوب عن الأمر الكلي الساري في جميع الموجودات ، ففي كل مقام يقام لا بدّ لك من مفارقة ذلك المقام وأنت غائب عن صورة الحق منه ، فلا بد لك من الألم وتتخيل أنه فارقك وما فارقك ، وإنما وقوفك معك حجبك عما ذكرناه ، فلهذا أدع ثبورا ، فالتكثير من جهة العدد لتعدد المقامات وتقييداتها . ألا يا حمام الأراك قليلا * فما زادك البين إلّا هديرا يخاطب واردات التقديس والرضى « 1 » ، ويلوح لبعض واردات المشاهدات فإن الأراك شجر يستاك به ، يقول : ترفق عليّ يا وارد التقديس فإنّ المحل الضعيف يضعف عن أن ينال الطهارة إلا بالاستدراج ، ولهذا كان مرضاة الربّ من الزينة والإصلاح وهو موضع الرفق ، ولهذا قال له قليلا ، وقوله : فما زادك البين إلّا هديرا ، يقول : أيها الوارد لما لم يكن لك وجود عيني إلّا بي وفي وأنا مشغول عنك بما قيدت به من عالم الظلمة والطبع ، فلذلك صرت تصيح من أجل الفراق لذهاب عينك .
--> ( 1 ) انظر الرسالة القشيرية ص 192 - 197 ( الرضا ) .