ابن عربي

40

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

وقوله : « فحن حزين » يريد الروح الجزئي الإنساني من هذا المعين . وقوله : « وشجاه » أي : أحزنه « ترجيع » وهو ما أنت به من طيب نغمات الاستدعاء إلى الاتصال الذي هو الحشر الأول بالموت ، والحنين من باب الرأفة والتعطف الذي للوالد على ولده ، ومن الجزئي حنين الولد إلى والده ، والشخص إلى وطنه . وليس يريد هنا قوله : « خلق آدم على صورته » « 1 » من أجل الطوق ، وإن كان قد دخل المقام الأقدس تحت قوله : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [ الأنعام : 54 ] وتحت قوله : « فيمن جاء بالصلوات الخمس لم يضيع من حقهن شيئا إن له عند اللّه عهدا » وقد أدخل اللّه سبحانه مع عبده نفسه في عهود منه منة وفضلا لا إيجابا . ولكن ما هو مقصود في هذا البيت من أجل الحنين وإن كان سبق القضاء له أثر في الحكم ، كما جاء التردد في قبض نفس المؤمن كما قلت في بعض قصائدي له : يحنّ الحبيب إلى رؤيتي * وإني إليه أشدّ حنينا وتهفو النفوس ويأبى القضا * فأشكو الأنين ويشكو الأنينا وعلمي بأنّ أصحابنا من أهل هذا الشأن يعرفون ما أشرنا إليه في هذا الإيماء ، والإجمال أغنانا عن التفصيل والتصريح . وعلم اللّه ما قيدت هذا القدر في هذا البيت إلا والحمى تنفضني في باطني مما أجده من قوة الوارد وازدحام تموج المعارف فيه ولا أقدر على إذاعة ما أجده مع القوة التي أعطاني اللّه على التعبير عنه وإيصاله إلى الأفهام القاصرة فأجرى ما فوقها من الأفهام ، ولكن الغيرة الإلهية وحجاب العزة الأحمى المنصوب بين عينيّ منع من ذلك ، وهذه نفثة مصدور « 2 » . جرت الدّموع من العيون تفجّعا * لحنينها ، فكأنّهنّ عيون وصف الأرواح بالبكاء وجري الدموع ، وإن كانت هذه الأوصاف مما يتعلق بالعالم الطبيعي ، ولكن لما كان في قوة الأرواح التمثل في الصور الجسدية ، كما قال تعالى : فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا [ مريم : 17 ] لذلك قبلت هذه النعوت الطبيعية . وقد ورد في الخبر : « إنّ جبريل وميكائيل يبكيان من خوف مكر اللّه » وكان سبب هذا البكاء من هذه الأرواح الجزئية لحنين الروح الكلي إليها الذي هو أبوها ، فإنها وإن حنت إليه بالأصالة والتولد ، فحنينه أشد إليها فإنّ حنين الأبوة أعظم ، فإنّ النبوة من الأبوة وليست الأبوة منها ، بل هي عينها ، فهو من باب حنين الشيء إلى نفسه ، وشبهها لكثرة الدموع بعيون المياه الجارية ، أي أنها لا تنقطع ، وجريانها من غيب إلى شهادة ،

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) النفثة : المرة - هذه نفثة مصدور : ما يخفف به عن صدره ، ويروّح به عن نفسه ( ج ) نفثات .