ابن عربي
38
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
ملازمة الصحبة ، وفي هذا أسرار في حدوث نعيم الجنان مع الأنفاس ، وحدوث الأنفاس . فوقتا أسمّى راعي الظبي بالفلا * ووقتا أسمّى راهبا ومنجّما يقول : من كوني أحرس الروض لهذا الظبي سميت راعيا ، ومن كوني أخدم البيعة من أجل الدمية سميت راهبا ، ومن كوني أرقب الشمس في فلكها سميت منجما « 1 » . [ اختلاف الواردات الإلهية لاختلاف الحالات ] والمقصد : اختلاف الحالات عليه في باطنه فتختلف عليه الواردات الإلهية والعلوم بحسب ما تعطيه قوى هذه الأحوال بما وقع به التشبيه من هذه الأكوان ، فهذه أذواق مختلفة وإن كانت العين واحدة في هذا كله فهو من باب ما ذكره مسلم « 2 » في كتاب الإيمان من التحول في الصور بالعلامات على الاعتقادات ، فمن عبده في الشمس رأى شمسا ، ومن عبده في الحيوان رأى حيوانا ، ومن عبده في الجمادات رأى جمادا ، ومنهم من عبده ليس كمثله شيء رأى ليس كمثله شيء ، فلهذا الباب يرجع ما ذكرناه . [ حديثه عن التثليث ] تثلّث محبوبي وقد كان واحدا * كما صيّروا الأقنام بالذات أقنما يقول : العدد لا يولد كثرة في العين كما تقول النصارى « 3 » في الأقانيم الثلاث ، ثم تقول : الإله واحد كما تقول : باسم الرب والابن وروح القدس إله واحد . وفي شرعنا المنزّل علينا قوله تعالى : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا [ الإسراء : 110 ] ففرّق فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فوحّد ، وتتبعنا القرآن العزيز فوجدناه يدور على ثلاثة أسماء أمهات إليها تضاف القصص والأمور المذكورة بعدها ، وهي : اللّه ، والربّ ، والرّحمن ؛ ومعلوم أنّ المراد إله واحد ، وباقي الأسماء أجريت مجرى النعوت لهذه الأسماء ولا سيما الاسم اللّه فمن ذلك النفس هو ما ذكرناه في هذه الأبيات . فلا تنكرن يا صاح قولي غزالة * تضيء لغزلان يطفن على الدّما يقول : لا تنكروا هذا الليث مع كوني أريد عينا واحدا ، فإنّ لكل إشارة معنى مقصودا ، والغزالة هنا اسم من أسماء الشمس ، وقد ذكرنا القصد في البيت الذي يأتي بعده .
--> ( 1 ) المنجّم : الناظر في النجوم يحسب مواقيتها وسيرها في طلوعها وغروبها ويستطلع من ذلك أحوال الكون ( ج ) منجمون . ( 2 ) هو مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري ( 204 - 261 ه - 820 - 875 م ) أبو الحسين ، حافظ ، من أئمة المحدثين . ولد بنيسابور ، ورحل إلى الحجاز ومصر والشام والعراق وتوفي بظاهر نيسابور ، أشهر كتبه « صحيح مسلم » و « المسند الكبير » و « الجامع » وغير ذلك . الأعلام 7 / 221 ، وتذكرة الحفاظ 2 / 150 ، وتهذيب 10 / 126 ، وابن خلكان 2 / 91 . ( 3 ) النصارى : أهل النصرانية : دين أتباع المسيح عليه السلام .