ابن عربي

23

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

هذا المحب ذاته كلها نورا كما يستر الليل عند وميض البرق من قوله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ [ النور : 35 ] ، وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم في دعائه : « اللهم اجعل في سمعي نورا ، وفي بصري نورا » « 1 » . وذكر الشعر والبشر والقلب والعظم وجميع الأعضاء ، إلى أن قال : « واجعلني كلي نورا » يعني بهذا التجلي . والتجلي الذاتي هو البارق لعدم ثبوته ، فكأنه يقول : لما أضاءت زوايا كوني كلها وأضاء هيكل طبيعتي وأنا في مقام حكمة متجلية من حقيقة إلهية في صورة مثالية في مقام بسط ، وتبسمت هذه الصورة فأشرقت أرضي وسمائي بنورها واستنار ليلي واتفق معها تجل ذاتي مقارن لتبسمها لم أدر ممن أشرق كوني منهما ولا من شق حندس ذاتي من هذين التجليين بنوره يقول : التبس عليّ الأمر في ذلك . ثم قال : وقالت : أما يكفيه أنّي بقلبه * يشاهدني في كلّ وقت ، أما أما يقول : قالت هذه الحقيقة الإلهية في هذه الصورة المثالية بلسانها لا تطلبني من خارج ويكفيه تنزلي عليه بقلبه كما قال تعالى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ [ الشعراء : 193 ، 194 ] ، فهو يشاهدني في ذاته بذاته في كل وقت ، يعني بالأوقات أيام اللّه الذي يقول تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : 29 ] ، فتلك أيامه سبحانه التي يوقع الشوق فيها . [ وصفه لحالة الشوق وحديثه عنها ] أنجد الشّوق وأتهم العزاء * فأنا ما بين نجد وتهام يقول : طلب الشوق نجدا لأن تعلقه بالمستوى الأعلى ، وطلب الصبر تهامة . يريد أن الصّبر والشّوق لا يجتمعان كما أن العلو والسفل لا يجتمعان ، وأنا ما بينهما في برزخ الآلام ، فالموطن يطلبني بالصّبر لأنه ليس محل اللقا والشوق يطلبني بمفارقة التركيب الذي هو هذا الهيكل الطبيعي المانع اللطيفة الهائمة المتيمة لما ناسبها من العالم العلوي لكونها وجدت مدبرة له إلى أجل مسمى ، فالشوق يجذبني إلى العلو والصبر يجذبني إلى السفل والصّبر أغلب من الشوق ، ولإعانة الموطن له الذي هو الحياة الدنيا . وهما ضدّان لن يجتمعا * فشتاتي ما له الدّهر نظام يقول : لما كانت اللطيفة الإنسانية لا توجد دنيا ولا آخرة إلا مدبرة لمركب لا تترك لحظة لمشاهدة بسيطها عربت عن مركبها من غير علاقة كما يراه بعض الصوفية « 2 » والفلاسفة مما لا علم له بما هو الأمر ، فلهذا قال : فشتاتي ما له الدّهر نظام

--> ( 1 ) أخرجه الطبراني في ( المعجم الكبير 10 / 336 ، 11 / 420 ) . ( 2 ) الصوفية : التصوف : طريقة سلوكية قوامها التقشف والتحلي بالفضائل لتزكو النفس وتسمو الروح .