ابن عربي

130

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

وقوله : نظم الحسن البيت بكماله ، يقول : إنّ فهوانيتها معشوقة لها نور عظيم عندما تتجلى لمناجاتها ، والمها : هنا حجر شفاف أبيض شبه الثغر به لما وصفها وصف الجواد . ثم قال : رابني منها سفور راعني * عنده منها جمال وبها فأنا ذو الموتتين منهما * هكذا القرآن قد جاء بها كانت العرب إذا حسرت المرأة النقاب « 1 » عن وجهها لأحد لغير شيء ، عرف ذلك أنّ الشرّ ورائها في حقه ، فيحذر وينظر لنفسه ، وقال الشاعر : وقد رابني منها الغداة سفورها يقول : إنّ هذه النكتة التي تعشق بها العلوية رأت قد أقام منازعها في حضرة التمثل ما يناسبها في الصورة ميزانا بالميزان فعلمت أنه يريد أن تخدعه بذلك ليتعشق بتلك الصورة فيحجب عن هذه التي فيها سعادته فغارت عليه لأمرين شفقة عليه لئلا يجهل فيشقى ، ولأنها أيضا يتعطل أثرها إذا راحت عنه بقبوله لتلك ، فإنّ العلم بالشيء يقابل الجهل به ويضاده فتسفر عن وجهها إعلاما وليزيد تعشقا ، فلهذا قال : جمال وبها . وقوله : ذو الموتتين الموتة الأولى عن الأغيار ، والثانية عن نفسه فيبقى معها بها لا به ، وقوله عن مجيء القرآن بها : يريد قوله تعالى : أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ [ غافر : 11 ] . قلت : ما بال سفور راعني * موعد الأقوام إشراق المها قلت : إني في حمى من فاحم * ساترا فلترسليه عندها في البيت الأول ضمير محذوف دل عليه المفهوم كأنه يقول : قالت موعد الأقوام إشراق المها ، يعني ظهور الشمس نبهت على أنّ العدو الذي ذكرناه المعد له صورة مثلها مستعد عنده تجلى ذات هذه المحبوبة له يقيم هو تلك الصورة ، وهو الذي كنّى عنها بإشراق المها يعني ظهور ذاتها له من حيث يريد تحصيلها ، فقال لها : ما عليّ منهم فإني في حمى عصمتك فتخفيني في سرادقات غيبك فلا يصلون إليّ ، كما قيل في حق الرسول عليه السلام : فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً [ الجن : 17 ] كل هذا حتى لا يلتبس عليه في الإلقاء وهو الذي أردنا بقولنا : ( تنزلت الأملاك ليلا على قلبي * ودارت عليه مثل دائرة القلب ) ثم قال :

--> ( 1 ) النقاب : القناع تجعله المرأة على القسم اللين من أنفها ، تستر به وجهها ( ج ) نقب .