ابن عربي
127
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
كانت القلوب لها أوقات مع اللّه تعالى وأوقات مع نفوسها وحظوظها نسب الوقت إلى نزول الحق وظهوره في ليل هياكل الطبيعة وفجره ما ينسلخ فيه من التجليات الإلهية بالعلم المصون المخزون وجعل الرواح في السحر وهو اختلاط الضوء والظلمة والجلال في حين نزولها يريد آية في عالم البرزخ ينظر إلى ذلك من الألوهية على ما هي عليه في نفسها من التنزيه والتقديس والعظمة والجلال في حين نزولها إلى التبشيش والضحك والفرح والتعجب والسبات والمكر ، وأمثال ذلك ، وإلى هذه الإشارة بالسحر . فسرت وفي القلب من أجلهم * جحيم لبينهم تستعر أسابقهم في ظلام الدّجى * أنادي بهم ثمّ أقفو الأثر يقول هذا العارف : فسرت وفي قلبي برحيلهم عني نار تأجج ، وهي التي تطلع على الأفئدة « 1 » . ثم قال : أسابقهم أي أعلو همتي بالسرا إلى محل الاستوا الذي إليه تكون الرحلة ، وللعما على قدر ما يعطيه الوقت من المعرفة بالحال ، وقوله : ثم أقفو الأثر يريد التخلق بالأخلاق الإلهية والاتصاف بالأسماء العبدانية والربانية بحسب الوقت والحال . ومالي دليل على إثرهم * سوى نفس من هواهم عطر رفعن السجاف أضاء الدّجى * فسار الرّكاب لضوء القمر « 2 » يقول : وما لي دليل في سيري خلفهم سوى ما أجده في طريقي من نفس حبهم إياي ، وهي العناية فإنه قال : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] ، فذكر محبته لهم لا محبتهم له ، وقوله : عطر ، يريد طيب الرائحة ، وذلك أن الدليل في المفاوز المهلكة حيث لا علامة يجدها ، إنما يستدل بشم تربة الأماكن ، قال الشاعر : إذا الدليل « 3 » أمسى * استف أخلاف الطرق وقوله : رفعن السجاف أضاء الدّجى البيت بكماله ، المراد بذلك ما أراد بقوله : حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ [ سبأ : 23 ] . فأرسلت دمعي أمام الرّكاب * فقالوا : متى سال هذا النّهر ؟ ولم يستطيعوا عبورا له * فقلت : دموعي جرين درر
--> ( 1 ) الأفئدة : ( ج ) الفؤاد : القلب أو باطنه أو غشاؤه . أو هو العقل . ( 2 ) السّجاف : الستر . ( 3 ) في نسخة أخرى : الليل .