ابن عربي
123
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
الجماعات المقدسة سلام محب لهم راغب في الالتحاق بمراتبهم إن سبقت له عناية إلهية بذلك . وقوله : أو سلما أي لا تبلغي عني تحية إلا إن رأيتم القبول ممن بلغتماه وإلا فسلما أنتما ولا تذكراني . ثم قال : واسمعا ماذا يجيبون به * وأخبرا عن دنف القلب بما يشتكيه من صبابات الهوى * معلنا مستخبرا مستفهما يقول لهما : واسمعا ما يرددن عليكما وأخبراهم عما تعلما من حالي ودنفي بهم وما أشتكيه من رقة الحبّ ولطائفه إعلانا بذلك ليسمع ذو الرحمة منهم فيشفع فربما قد سبق في العلم أن لا يكون التقريب إلا بشفاعة فيظهر عند ذلك رجاء من هذا العبد ، وقوله : مستخبرا مستفهما عن دوائه فيما قد أصابه من مقاساة الحب المانعة عن إدراك المطلوب مع وجود المحبة وانتشائها بباطنه وظاهره . [ منزلة مرتبة القطب عنده ] وقال رضي اللّه عنه : أحبّ بلاد اللّه لي بعد طيبة * ومكّة والأقصى ، مدينة بغدان وما لي لا أهوى السّلام ، ولي بها * إمام هدى ديني وعقدي وإيماني يقول : أحبّ المواطن إليّ بعد الموطن الذي لا مقام فيه وهو اليثربي الذي يكون منه الرجوع بالعجز عن الوصول أصلا لتحقق المعرفة بالجناب الأعز ، وهو قول الصديق الأكبر : « العجز عن درك الإدراك إدراك » فما رأى شيئا عند ذلك إلا ورأى اللّه قبله ، والموطن الآخر موطن البيت الإلهي المتوجه إليه من كل وجه ، وهو القلب الكامل الذي وسع الحق ، والموطن الثالث الأبعد الذي هو مقام التقديس والتنزيه ، يقول : أحب موطن إليّ بعد هذه المواطن كلها موطن الإمام الخليفة على كافة الأنام الذي هو مرتبة القطب ، وذلك لكمال ظهور صورة الحضرة الإلهية فيه من تقييد الأوامر الإلهية بالبسط والقبض « 1 » ، والحياة والموت ، والأمر والنهي ، وأما قوله : وما لي لا أهوى السّلام أراد مدينة السلام فإنّ اللّه يدعو إلى دار السلام ، واللّه الهادي إليها ، والسّلام اسمه تعالى ، والعقل والدين والإيمان متعلق به ، فما لي لا أهواه ولي به هذه الأمور كلها ، ولكن لا بد من تقدم هذه المراتب الثلاث ، إذ لا يصح وصول من غير سلوك فإنه لا وصول . ثم قال : وقد سكنتها من بنيّات فارس * لطيفة إيماء مريضة أجفان تحيّي فتحيي من أماتت بلحظها * فجاءت بحسنى بعد حسن وإحسان
--> ( 1 ) انظر الرسالة القشيرية ص 58 - 60 ( القبض والبسط ) .