ابن عربي
118
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
ذكرت في مجلس عطر المجلس ذكرها لطيب ريّاها فصارت معشوقة بكل لسان فيرتاح للنطق بها فكأنها صفة تأخذها العبارة وسببه كونها ظهرت في عالم التمثل فقيدها النعت لكن يعلم السامع العالم ما أشار إليه المعبر في هذا النعت كما عرف ما أشير به في اللبن من حقيقة العلم ، والفطرة التوحيدية . فلو أنّ مجلسها هضمة * ومقعدها جبل حالق « 1 » لكان القرار بها حالقا * ولن يدرك الحالق الرّامق « 2 » يقول : من علو شأنها يعلو بها كل من قامت به ، يريد أن كل علم يوصلك إلى حيث متعلقه ، ولهذا العلم بالذات الإلهية لا يصح أصلا لأنه لا يوصلك إليها لعزتها وإنما تصل إليك على قدرك في علمك بها فتحقق فلو كان مجلسها موضع منخفض ومقعدها جبل مرتفع لكان المنخفض بها مثل الحالق من غيرها ، والحالق لا يدركه الرامق لعلوها ، فكيف إذا اتفق أن تحل في قلب له من العلو بمنزلة الجبل الحالق ، فأين ينتهى به من الرفعة والشأن قصد علو المكانة كما قال في علو المكان الإدريسي : وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا ( 57 ) [ مريم : 57 ] . فكلّ خراب بها عامر * وكل سراب بها غادق وكلّ رياض بها زاهر * وكلّ شراب بها رائق يقول : فكل قلب خرب بالغفلات وأشباهها من رؤية الأكوان إذا حلت فيه أو تجلت له يعمر وانقادت إليه جميع العلوم كما ورد في خبر الضربة للنبي صلى اللّه عليه وسلم : « فعلم منها علم الأولين والآخرين » يقول : وكل سراب بها غادق ، يقول : إذا جئت إلى السراب وهو سراب يتخيل أنه ماء وتكون عندك هذه الصفة فإنك تجده ماء كما طلبته وكما رأيته إذ الماء لا يطلب لعينه وإنما يطلب لما يكون منه فإذا أعطاك السراب ما أعطاك الماء لوجود هذه الصفة ، فقد وجدت الماء أي وجدت المطلوب كما قال : وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ [ النور : 39 ] أي عند السراب حين لم يجده شيئا يعني السراب يقول : وهو من الرياض بمنزلة الأزهار التي تعطى لذة العيون والمشام وهي ألطف من الأذواق الطعمية ، أي لها أثر في عالم الأنفاس والشهود ، وقوله : وكل شراب بها رائق ، أي كل ذوق حصل لك في مبادي التجلي ، فإنه يصفو ويروق ويحلو معناه بوجود هذه الصفة . فليلي من وجهها مشرق * ويومي من شعرها غاسق يقول : وقد حصل لي بها علم الغيب من شعرها ، وعلم الشهادة من وجهها ،
--> ( 1 ) الحالق : الجبل المرتفع . ( 2 ) رجل يرموق : ضعيف البصر . ( لسان العرب 10 / 126 مادة : رمق ) .