ابن عربي
106
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
تعالى في قرب النوافل « 1 » فيكون الحق تعالى : « سمعه وبصره ولسانه ويده » والخبر المشهور في الصحيح ، واللطائف : جمع لطيفة وأراد بها نفس السامع فإنه من اصطلاح القوم في العبارة عنها أن يقولوا : لطيفة الإنسانية يريدون بها السر الذي به كان الإنسان إنسانا ، وقوله : الساترات من الحياء محاسنا ، إشارة إلى الحجب التي بينك وبين هذه العلوم والتجليات والحياء المنسوب إليها إنما هو حياء من اللّه تعالى يستحي أن يتجلى للقلوب المشغولة بغير اللّه في غالب حالاتها وتشتغل باللّه في بعض حالاتها فهم في هذا المقام بمنزلة المؤمنين في حالة قوله تعالى : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً [ التوبة : 102 ] ، فلهذا قرن الحياء هنا بالستر ، قال : وهذه المحاسن إذا تجلت لقلب التقي الخائف أخذته عن نفسه وهيمته فيها كما ورد أيضا في الجانب الإلهي عنه تعالى أنه قال : « وسعني قلب عبدي المؤمن » « 2 » التقي فلا بد من تطهير القلب وعمارته بهذه الصفات وحين تحصل له هذه السعة يحصل له شهود هذه المحاسن . ثم قال : المبديات من الثّغور لآليا * تشفي بريقتها ضعيفا تالفا الراميات من العيون رواشفا « 3 » * قلبا خبيرا بالحروب مثاقفا يقول : أظهروا من الحضرة الفهوانية جواهر العلوم الكبريائية فإنّ اللؤلؤ هو الجوهر الكبير والمرجان ما صغر منه ، وقوله : تشفي بريقتها يقول : إذا حصلت له هذه المعارف أذهبت علل الجهالات والشبه والشكوك وقوله : الراميات من العيون ، يريد الملاحظة العلوية من هذه العلوم والرواشف أصابت قلوب من رميت عليه وقصدت به لأنها لا تخطىء ، وقوله : قلبا خبيرا بالحروب مثاقفا ، يريد خبرته بطريق التباس العيون في حضرة التمثيل كما قال تعالى : وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ [ هود : 7 ] جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال له : يا رسول اللّه ، رأيت البارحة الحق تعالى على عرشه ، قال له : وأين كان عرشه ؟ قال : على البحر ، قال : ذلك عرش إبليس » « 4 » وانظر معرفة ، إبليس ما أبدى له عرشه إلّا على الماء ليلبس عليه ويعتقد فيه أنه ربه تعالى فيسمع منه ما يلقى إليه ليزيله عن الإيمان ، فلهذا توصف قلوب العارفين بالخبرة وبالثقاف « 5 » والحذر من هذا الالتباس كما هي الشبه في حق النظار التي تأتيهم في صورة الأدلة وليست بأدلة ،
--> ( 1 ) النوافل : ( ج ) النافلة : ما زاد على النصيب أو الحق أو الفرض . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) في نسخة أخرى : رواسقا . ( 4 ) أخرجه المتقي الهندي في ( كنز العمال 39715 ) . ( 5 ) الثقاف : أداة من خشب أو حديد ، تقوّم بها الرماح المعوجة ونحوها لتستوي وتعتدل ( ج ) أثقفة وثقف .