نجم الدين الكبرى

92

فوائح الجمال وفواتح الجلال

الحيوانية ، كما هو بالموت ؛ إلا ما اضطرّ من الحاجة الإنسانية ، فلا يسرف في المأكول والملبوس والمسكن ، ويقتصر على ما لا بد منه لقوته . وخامسها ( العزلة ) : وهي الرجوع عن مخالط الخلق ، بالانزواء والانقطاع ، كما هو بالموت ؛ إلا عن خدمة شيخ وأصل مربّ له ، وهو كالغسّال للميت ، فينبغي أن يكون بين يديه كالميت بين يدي الغسّال ، يتصرّف فيه كما شاء « 1 » ؛ ليغسلة بماء الولاية عن جنابة الأجنبية ولوث الحدث . وأصل العزلة عزل الحواس بالخلوة عن التصرّف في المحسوسات ، فإن كل آفة وفتنة وبلاء ابتلاء الروح بها ؛ وكانت تقوية النفس وتربية صفاتها فيها « 2 » ، دخلت من روزنة « 3 » الحواس . . وبها استتبعت النفس الروح إلى أسفل السافلين ، وقيدته « 4 » بها ، واستولت عليه . فبالخلوة وعزل الحواس ، منقطع مدد النفس عن الدنيا والشيطان ، وإعانة « 5 » الهوى والشهوة ؛ كما أن الطبيب - في معالجة المريض - يستعمل أولا : الاحتماء لما يضرّه ويزيد في علل مرضه ؛ فينقطع بذلك عنه ، مدد المواد « 6 » الفاسدة التي ينبعث بها المرض « 7 » . . وقد قيل : الحميّة رأس كل دواء « 8 » . ثم يعالجه بمسهل يزيل عنه المواد الفاسدة ، وتتقوى به القوى الطبيعية والحرارة الغريزية ، ليزول عنه المرض بدفع الطبيعة وتجدّد « 9 » الصحة . فالمسهل ههنا ، بعد الاحتماء . وتنقية المواد ، الذكر الدائم .

--> ( 1 ) في الحديث الشريف : المؤمن بين يدي ربه ، كالميت بين يدي الغاسل . ( 2 ) يقصد ؛ أن الحواس تقوى النفس وتربى صفاتها المذمومة . ( 3 ) الروزنة : كلمة فارسية معربة تعنى ( الكوة ) . ( 4 ) يقصد ؛ قيدت الروح . ( 5 ) في الأصل : بأمانة . ( 6 ) في الأصل : مواد . ( 7 ) في الأصل : به المرض وينقى به المواد . ( 8 ) المعدة بيت الداء ، والحمية رأس الدواء . . عبارة شهيرة من أقوال الطبيب الجاهلي « الحارث بن كلدة » اعتبرها البعض من الأحاديث النبوية . ( 9 ) غير واضحة في الأصل .