نجم الدين الكبرى
74
فوائح الجمال وفواتح الجلال
وجحد لروابط الدم والأسرة ، فإن كان الرازي قد لجأ إلى السلطان في تنحية شقيقه عن طريقه على هذا النحو ، فنحن لا نستبعد تآمر الرازي وسعيه لدى السلطان لقتل الشيخ مجد الدين البغدادي « 1 » . ونعتقد من جانبنا أن الخلاف بين الرازي ومجد الدين البغدادي لم يكن هو السبب المباشر والوحيد لتلك النهاية المحزنة التي لقيها مجد الدين ، فإن كنا لا ننكر الخلاف بين الرجلين ، ولا نستبعد تآمر الرازي عند السلطان لقتله . . إلا أن الرازي توفى سنة 606 هجرية أي قبل مقتل نجم الدين بعشرة أعوام كاملة ، ولا نظن أن تأثير « تلامذة الرازي » كان من القوة بحيث ينصاع له السلطان . ومن هنا نرى أن السبب الأقرب هو أن مجد الدين البغدادي - وكان واعظا - لم يكن على وفاق مع السلطان خوارزمشاه ، ذلك الحاكم الأحمق الذي أرسل جيشا للاستيلاء على بغداد ففشل ، وقتل القافلة التي أرسلها هولاكو للتجارة « 2 » فنجح في إشعال فتنة التتار . فالراجح أن مجد الدين البغدادي كان معارضا لتلك السياسة الهوجاء التي ينتهجها خوارزمشاه ، فلما جهر بمعارضته على منبر الوعظ ، أوغل صدر السلطان ضده فأمر بإغراقه في لحظة سكر ، أو لحظة استماع لوشايات تلامذة الرازي . ويرى المؤرخون أن مقتل مجد الدين البغدادي على هذا النحو كان من أسباب الهزائم المتلاحقة التي لقيها خوارزمشاه على يد التتار ، وفشله في مدّ سلطانه إلى عاصمة الخلافة وخلع الخليفة الناصر . . يقول الدكتور العرينى : « على أن الانقسام في أسرة السلطان خوارزمشاه ، كان مصدره ما ساد من أحقاد وعداوات مريرة بين أفراد الأسرة ، وكان خوارزمشاه يحرص على أن يستجيب لرغبات أمه . . يضاف لذلك أن ما أقدم عليه السلطان خوارزمشاه من قتل مجد الدين البغدادي ، من كبار المتصوفة وقتذاك ، أغضب رجال الدين الذين كان في أشد الحاجة لمساندتهم « 3 » » .
--> ( 1 ) د . فتح اللّه خليف : فلاسفة الإسلام ص 283 . ( 2 ) كان أفراد هذه القافلة ، وعددهم 500 رجل وثلاثة مبعوثون ، كلهم من المسلمين ؛ وهذا يعنى أن الذي بدأ بقتل المسلمين كان خوارزمشاه وليس هولاكو ! ( 3 ) د . السيد الباز العرينى : المغول ص 116 .