نجم الدين الكبرى
38
فوائح الجمال وفواتح الجلال
على منوال قصة موسى والعبد الصالح « الخضر » حيث يعبّر الرازي عن علوم الظاهر كما عبّر موسى عليه السلام عن القوانين الظاهرية ، بينما يعبر نجم الدين عن علوم الباطن كما عبّر العبد الصالح عن الحقائق الربانية الباطنة ؛ لتأكيد أولوية الباطن على الظاهر والحقيقة على المظاهر . . والهدف من صنع الكرامة - كما قال بعض المتصوفة - هو تقوية قلوب المريدين وإلهاب الهمم للسعى في طريق التصوف ؛ وهو هدف غير كاف لنسج مثل هذه الحكايات ، إلا لمن كان على ضعف ! ولذا كان أوائل الصوفية ، والأكابر من بعدهم - حتى اليوم - لا يعولون كثيرا على مسألة الكرامات هذه . . فيغلقون بذلك باب الفتنة وباب الهجوم على التصوف ! فالكرامة الحقة عندهم هي الاستقامة ، فإن جرى أمر عجيب على يدي الولي ، فهذا من باب الأسرار التي تكون بين الولي وربه ، وما كانت الأسرار خليقة بأن تنشر على العامة ؛ ومن هنا سكتوا عنها ، وولوا وجوههم شطر اللّه المتجلى بالأسرار والحقائق . . ولم يشغلهم غيره . والكرامة الحقة لنجم الدين كبرى - من وجهة نظري - تكمن فيما أكرمه اللّه من صبر على المجاهدات الروحية ، وجلد في تحصيل العلوم ، ونشر للهداية بين الأتباع ؛ كما تكمن في تلك الحقائق الربانية التي تجلّت عليه ، وقصّ طرفا منها في « فوائح الجمال » وفي غيره من المؤلفات . . أما كرامته العظمى ، ففي واقعة موته . استشهاده : تلك هي اللوحة الأخيرة في حياة نجم الدين كبرى « 1 » ، وهي أكثر لوحات حياته تفجرا وامتلاء بالطابع الدرامي العنيف . . فقد اصطدم الشيخ بأعظم موجة في العصور الوسطى الإسلامية « التتار » تلك الموجة التي انهارت معها الحصون والقلاع ، حتى انتهت بفاجعة لا مثيل لها في تاريخنا القديم « سقوط بغداد سنة 656 ه » حيث كان التتار نارا موقدة ، اندفعت من مشارق العالم الإسلامي لتأكل الأخضر واليابس .
--> ( 1 ) انظر كتابنا : شعراء الصوفية المجهولون ( أخبار اليوم - القاهرة 1991 ) ص 49 وما بعدها .