نجم الدين الكبرى

25

فوائح الجمال وفواتح الجلال

المحسوسة ؛ وهذا ما ذهب إليه أحمد الغزالي - أخو حجة الإسلام أبى حامد الغزالي - وأوحد الدين الكرماني ، وفخر الدين العراقي « 1 » . أما الغالبية من كبار رجال التصوف فقد منعوا الكلام في هذا الباب ، وامتنعوا عن الخوض فيه . . ربما لارتقائهم عن درجة الحسن المحسوس إلى مرتبة الجمال المطلق ذاته ، وربما لخشيتهم على العامة من الناس أن يفتتنوا بهذه الأقوال ، وربما لخوفهم على المريدين المبتدئين من أن يخوضوا في هذا المسلك بغير علم ولا هدى فيزداد تعلّقهم بالمحسوس ، ويتعطّل عندهم أدب إسلامىّ هو غضّ البصر . ونعود لنجم الدين في رحلاته وسياحاته ، فنراه وهو يقص في « فوائح الجمال » بعضا من مشاهداته . . فيقول إنه لقى فقيرا على طريق كربلاء ، وسمع منه صيحات وزعقات الحال ، فأنكر عليه حاله ؛ ثم بعد زمن ، فهم نجم الدين حقيقة الحال ، بل سار هو صاحب صيحات وزعقات . وإذ يتذكر نجم الدين هذه الواقعة ، نراه يقول عن تلك الصيحات : كنت أسمعها من فقير لقيته في طريق كربلاء ، فأنكرت عليه ذلك وسألته عنها . . فلما كان بعد ذلك بزمان وصلت إلى هذا المقام ، وعجمت أعواد الصيحات . . فعضضت بنان الندمان ، وسبّحت شبيه المتعجّب الحيران « 2 » . وفي طريق العودة من مصر ، عرج نجم الدين إلى بغداد ، وأقام زمنا بين الصوفية في مسجد « الشونيزية » وهو يحكى لنا عن بعض ما جرى هناك من وقائع وكرامات ، تخص « الاسم الأعظم » الذي يهبه اللّه لأوليائه ، فيتصرفون به في الوجود ، وتدل حكاية نجم الدين على أن نزوله بغداد لا يمكن أن يكون في بداية رحلته إلى مصر ، وقد تكون إقامته هذه ، في رحلة أخرى بعد رحلته المصرية ؛ وهذا هو الأرجح ! ففي الرحلة المصرية ، كان نجم الدين لم يزل مريدا ، وقد أمره الشيخ روزبهان بالعودة لصحبة الشيخ عمار بن ياسر وخدمته ، فهو إذن ما يزال في مرحلة الطلب والسير إلى اللّه . وامتلاكه للاسم الأعظم ، لا يكون إلا في

--> ( 1 ) د . قاسم غنى : تاريخ التصوف ص 579 . ( 2 ) فوائح الجمال ( النص المحقق ) ص 231 ، 232 .