نجم الدين الكبرى
24
فوائح الجمال وفواتح الجلال
وبين السماء ، فما كنت أدرى من ثمة أين تلتحقان ، فعلمت أن ذلك شاهدي في السماء « 1 » . ويبدو أن صورة هذا العشق التهبت في قلب نجم الدين بعد ما تعلّمه من الشيخ روزبهان ! لقد كان هذا الشيخ يرى - كما يقول في كتابه : عبهر العاشقين - أن العشق محمود على أية حال ، سواء كان في مقام العشق للطبيعيات أو للروحيات ، لأن العشق الطبيعي هو منهاج العشق الرباني ، ولا يستطاع حمل أثقال العشق الإلهى إلا على مثل هذا المركب ، كما لا يستطاع احتساء روائق صفاء جمال القدم الإلهى إلا في أقداح الأفراح هذه - يقصد الصور الحسية - وهذه الجواهر الثلاث ، أي العشق الطبيعي والعشق الروحاني والعشق الرباني ، مستمرة في الحركة « 2 » . وتعد مسألة العشق الحسى والإلهى ، من النقاط الدقيقة في تاريخ التصوف ؛ فقد رويت أخبار عن عشق كبار المتصوفة - كابن الفارض وابن عربى وعفيف الدين التلمساني - لبعض الجميلات ، فأثارت تلك الأخبار جدلا واسعا بين الصوفية ومنتقديهم ، وبين الباحثين في التصوف على اختلاف مداخلهم للتصوف وآرائهم فيه « 3 » . . ولقد اشتهر عن بعض رجال التصوف ، قولهم بأن مطالعة جمال الظاهر الحسى ، في الجميلات أو المناظر الحسنة ، هو باب للدخول إلى مشاهدات الجمال المطلق للّه تعالى ، بعد أن تقيّدت بعض تجلياته في الصور
--> ( 1 ) فوائح الجمال ( النص المحقق ) . ( 2 ) د . قاسم غنى : تاريخ التصوف ، هامش ص 579 . وكتاب « عبهر العاشقين » مخطوط في مكتبة الدكتور غنى الخاصة ، والنص المذكور هنا في آخر الفصل السادس من الكتاب . ( 3 ) بخصوص عشق ابن الفارض في شبابه لامرأة ، وشعره الحسى ، يراجع : الديوان ( تحقيق د . عبد الخالق محمود - دار المعارف 1984 ) ص 215 - النابلسي : شرح ديوان ابن الفارض 2 / 190 - د . محمد مصطفى حلمى : ابن الفارض والحب الإلهى ( دار المعارف بمصر ) ص 154 . . أما عشق ابن عربى وقصته المشهورة مع الفتاة الجميلة الذكية « النظام بنت رستم الكيلاني » فيراجع بخصوصها : مقدمة ديوان « ذخائر الأعلاق » الذي هو شرح على ديوان « ترجمان الأشواق » وكلاهما لابن عربى . . وعن تجربة عفيف الدين التلمساني الحسية ، وأشعاره في ذلك فيمكن مراجعة مقدمة تحقيقنا لديوانه ( طبعة أخبار اليوم 1990 ) ص 45 وما بعدها .