نجم الدين الكبرى

23

فوائح الجمال وفواتح الجلال

بماء قليل . فألقى في زعمه أن الشيخ روزبهان لا يدرى بأي مقدار من الماء يكون الوضوء ! فعرف الشيخ ما يدور بباله ، فأنهى الوضوء ثم ألقى عليه ببقية من الماء . . يقول نجم الدين : فغشى علىّ من ذلك ، وأخذتني رقدة في الخانقاه ، وكنت دخلتها مع الشيخ ، فرأيت كأن القيامة قد قامت ، ويسحب الناس إلى جهنم إلا من كان له تعلّق بشيخ كان جالسا هناك على كثيب ، فادّعيت أنا أيضا التعلّق به ، واستخلصت من أيدي الزبانية ، وصعدت إلى الكثيب ؛ فلما رآني ذلك الشيخ ، لطم على قفاي حتى أكببت على وجهي ، وقال : لا تنكر على أهل الحق بعد هذا ! فانتبهت بذلك من رقدتي ، فإذا أنا بموضعى ، وقد فرغ الشيخ روزبهان من صلاته ؛ فلطم علىّ كما كنت رأيتها في المنام ، وقال لي مثل ذلك ؛ فخرج عنى من تلك الساعة ما كان من العجب والدلال « 1 » . وأقام نجم الدين زمنا بمصر ، حيث ظل في صحبة الشيخ روزبهان ، فتعلّم منه « علم الطريقة » وتلقى على يديه قواعد الطريق الصوفي ، ثم طلب منه الشيخ روزبهان أن يعود لصحبة الشيخ عمار - وقد تمّ المراد والتأديب - فارتحل نجم الدين إلى خوارزم مرة أخرى . . لكن الوقائع تدل على أنه لم يعد بسرعة ، وإنما أقام فترة بديار مصر ، إذ ارتحل من القاهرة إلى الإسكندرية ، فسمع الحديث النبوي من الشيخ أبى طاهر السّلفى الأصفهاني ، وكانت هناك تلك الرؤية النبوية التي كنّى فيها نجم الدين بأبى الجنّاب . وفي الطريق من القاهرة إلى الإسكندرية لبث نجم الدين حينا بإحدى القرى الواقعة على النيل . . وهناك وقع في حب جارية ، واستبد عشقها بقلبه ، فظل أياما لا يأكل ولا يشرب إلا النذر اليسير . ويحكى لنا نجم الدين عن أحواله في عشق تلك الجارية فيقول : حتى كثرت نار العشق ، فكنت أتنفس نيرانا ؛ وكلما تنفست نارا ، تنفسوا من السماء بحذاء نفسي نارا ، فتلتقى الناران ما بيني

--> ( 1 ) عبد الرحمن جامى : نفحات الأنس ( طبعة لكنئو - الهند 1915 ) ص 375 .