نجم الدين الكبرى

103

فوائح الجمال وفواتح الجلال

وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى أي كنت ضالّا في تيه وجودك ، فطلبتك بجودى ، ووجدتك بفضلى ولطفى ، وهديتك بجذبات عنايتى ونور هدايتي إلىّ ، وجعلتك نورا فأهدى بك إلىّ من أشاء من عبادي ، فمن اتبعك وطلب رضاك ، فنخرجهم من ظلمات الوجود البشرى إلى نور الوجود الروحاني ، ونهديهم إلى صراط مستقيم . كما قال تعالى قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ والصراط المستقيم هو الدين القويم ، وهو ما يدل عليه القرآن العظيم ، وهو خلق سيد المرسلين صلّى اللّه عليه وسلم ، فيما قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ . غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ هم الذين أخطأهم ذلك النور فضلّوا في تيه هوى النفس ، وتاهوا في ظلمات الطبع والتقليد ، فغضب اللّه عليهم ، مثل اليهود « 1 » . . * * * وهكذا يغوص نجم الدين الكبرى في بواطن آيات الفاتحة ، ويستجلى بواطن المعنى اعتمادا على ذوق الصوفي وتعلقه بالبعدين من الحقائق ، ولذا فإن ما يقدمه الشيخ نجم الدين هو « تأويلات » وليس « تفسير » إذ إن التفسير هو شرح المعنى على ما يقتضيه ظاهر الأمر ، أما التأويل فهو القراءة العميقة لباطن النص . ولا يشغل الشيخ نفسه في تأويلاته بالقضايا السطحية التي انشغل بها علماء الظاهر ، فهو إن توقف عند الآية ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ * لا يدخل في تلك المناقشات النظرية حول طبيعة الاستواء ، بل يوجه الأمر كله ناحية المعنى الصوفي فيقول : أي استتمّ وتمكّن تجليه على عرش استعدادات المظاهر السماوية الروحانية والمظاهر الأرضية الجسمانية ، ما تجلى لعرش استعداد شئ ، إلا بحسب قابليته وقبوله ، لا زائد ولا ناقص ! « 2 » وهكذا تكون قضية الاستواء في التأويلات النجمية مرادفة لقضية التجليات في المفهوم الصوفي ، بل إن قضية الوجود بأسره ، هي عند الشيخ قضية تجليات . . فهو يتأول قوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ * فيقول : هو الذي تجلّى للأشياء كلها بذاته الموصوفة

--> ( 1 ) روح البيان 1 / 24 . ( 2 ) روح البيان 6 / 132 .