روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

33

المصباح في مكاشفة بعث الأرواح ( ويليه شرح الحجب والأستار / لوامع التوحيد / مسالك التوحيد )

الروح أثر لطف اللّه تعالى والنفس أثر قهره ، والقهر واللطف صفاتان من صفات اللّه تعالى ، وصفاته وذاته واحد ، كما أنّ العلم بحقيقة وكنهه محال ، فالمعرفة بكيفية الروح والنفس محال لأنّ عليهما كسوتين من كسوة اللّه تعالى وهما القهر واللطف ، ولا يطلع على حقيقة صفاته أحد من خلقه ، لكن بظهور أفعالها يستدل عليها . فإن سأل سائل عن معنى قوله - عليه السلام - : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » « 1 » وذلك إشارة إلى كون معرفتها ، فنقول أراد النبي - صلى اللّه عليه وسلم - نفي معرفتها ، وذلك إعلام منه للخلق في عجز معرفة اللّه - سبحانه ، أي كما إنكم لم تعرفوا حقيقة المخلوق ، فكيف تعرفون حقيقة الخالق ، ومصداق ذلك قوله - عزّ وجلّ - وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [ الأنعام : 91 ] كما قال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « لا أحصى ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك » « 2 » ، وسئل عن خطيب العارفين وطبيب المشتاقين شمع الزمان وحجّة الرحمن الشيخ الكبير أبي عبد اللّه بن خفيف - قدس اللّه روحه - عن النفس ما هي ، فقال : « إنّها لا تعرف بذاتها » ولكن بظهور أفعالها يستدلّ عليها ، وإن من صفاتها الخلاف للحقّ ، وإنّها مائلة إلى الشهوات ، ويثقل عليها العبادات وتسترح إلى البطالات ، وقال الواسطي - قدس اللّه روحه - : « النفس ظلمة وسرّها سراجها ومن لم يكن له سرّ فهو في الظلمة أبدا » وكما أنّ الروح له أخلاق محمودة ، فالنفس لها أخلاق مذمومة ، وسنبينها للمريدين إن شاء اللّه تعالى . * فمن عيوبها : حبّ صحبة العوام البطالين وأهل السوق الغافلين والمحدثين الجاهلين ، ومداواتها : صحبة العلماء الخاشعين وعباد اللّه الصالحين . ومن عيوبها : صحبة التجارة وأهل الديون وإمامة الأتراك والمحبوسين الذين في دور الأمراء والاشتغال بأمورهم لأجل الدنيا ، ومداواتها : صحبة الزهّاد والمتورعين ، والتذكر لأحوال القيامة بأنواع عذاب الظالمين . ومن عيوبها : صحبة أهل الإباحة وأهل الناموس والرياسة ، وصحبة القراء المداهنين والمتفقهة الغافلين والمتصوفة الجاهلين ، ومداواتها : صحبة أهل المهابة والديانة والسياسة من المشايخ المتقين والأولياء الصادقين .

--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2532 ) [ 2 / 342 ] . ( 2 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب ما يقال في الركوع والسجود ، حديث رقم ( 486 ) [ 1 / 352 ] ورواه الحاكم في المستدرك ، كتاب الوتر ، حديث رقم ( 1150 ) [ 1 / 449 ] ورواه غيرهما .