روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
26
المصباح في مكاشفة بعث الأرواح ( ويليه شرح الحجب والأستار / لوامع التوحيد / مسالك التوحيد )
مشاهدة الدنيا أكشف من مشاهدة الآخرة » وأكثر الخلق محجوبون من ذلك المقام حتى العبّاد والزهّاد والعلماء الكبار ويقولون : « لا يجوز رؤية اللّه في الدنيا » ، واحتجوا بقوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [ الأنعام : 103 ] ، وقد غلطوا في ذلك لأنّ اللّه تعالى ذكر أبصار الظاهر ، وقد وافقنا في ذلك وما قلنا هي بأبصار الباطن ليس بأبصار الظاهر مع أن اللّه تعالى أراد بذلك ادراك الإحاطة ، وليس في الدنيا والآخرة ادراكه وإحاطته فإنّه تعالى أجلّ وأعزّ من أن يدركه أو يحيط به أحد من خلقه ، مع أن للعارفين مقاما أكبر من ذلك المقام ، فيرى العارف بذلك النور صفات اللّه تعالى في جميع الأشياء كما قال بعضهم : « ما نظرت شيئا إلا ورأيت اللّه قبل ذلك الشيء » « 1 » وذلك إشارة عظيمة للعارفين في الرؤية ، وهو غاية القصوى من مقام المكاشفين . ولا شكّ أنّ ذلك القوم لا يبلغون هذا المقام لأنّ لهم قلوب مشغولة بالدنيا وأبصارهم خاشعة زائغة عن العقبى ، ومن كان بهذه الصفة فقد حرّم اللّه عليه الوصول إلى ذلك المقام . وأكثر الشطّاحين تاهوا وتحيروا في هذا البحر ، منهم أبو يزيد البسطامي وذو النون المصري ويوسف بن الحسين الرازي والشبلي وأبو الحسين النوري والجنيد ومحمّد الجريري وسمنون والحسين بن منصور ويحيى بن معاذ الرازي وأبو مزاحم الشيرازي وأبو عبد اللّه محمّد بن خفيف حجة اللّه على خلقه وهشام بن عبدان وأبو بكر الطمستاني وجعفر الجذا وأبو الحسين بن هند القرشي وأمثالهم من المشايخ - رضي اللّه عنهم أجمعين . وقد انصرف من سواهم من ذلك البحر ولطماته لأنّ الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء ، واللّه ذو الفضل العظيم . * وقال بعض المتصنعين المتأخرين إنّ اللّه تعالى يرى في الآخرة بالقلوب لا بالعيون لأنّ عين الظاهر لا يطيق رؤية اللّه تعالى لضعف نوره ، والعين لا ترى شيئا إلا في المكان واللّه تعالى منزّه عن المكان ، وهذا مذهب المعتزلة . وقد غلطوا في ذلك لأنّ المؤمن الولي الصادق وإن كثر ذنوبه يرى اللّه تعالى في الآخرة عيانا بعين الظاهر بدليل قوله تعالى - جلّ جلاله - : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) [ القيامة : 22 - 23 ] . وقد خصّ اللّه تعالى ذكر الرؤية بالوجوه لا بالصدور ، والعين من جملة الوجه ، ومستحيل أن يقال الصدر من جملة الوجه ، وليس القلب مخصوصا
--> ( 1 ) ينسب الصوفية هذا القول لسيدنا أبو بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه . ( الفتوحات المكية ، وصل في فضل إيجاب الله ، [ 2 / 220 ] ) .