روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

130

المصباح في مكاشفة بعث الأرواح ( ويليه شرح الحجب والأستار / لوامع التوحيد / مسالك التوحيد )

والجنّة والنار مخلوقتان كما قال اللّه تعالى في كتابه العزيز : وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [ آل عمران : 133 ] فالمغفرة هي الجنّة . وقال أيضا : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [ آل عمران : 133 ] . فالآية دليل على أنّها مخلوقة ، والإيمان بها واجب إذ لا استحالة فيه . ولأنّ الجنّة مأوى الأرواح المؤمنة الصادقة ، والنار مثوى الأرواح الكافرة . وفوائد الجنّة في العالم قد ظهرت لأنّ نسيمها يجد أولياء اللّه تعالى ، وقد بيّن في الحديث : « ألا إن لربكم في أيّام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لنفحات الرحمن » « 1 » . وقد أخبر النبيّ - عليه الصلاة والسلام - في صلاة الاستسقاء إنّه رأى الجنّة والنار وقال : « كدت أن آخذ عنقودا من عناقيد الجنّة » « 2 » والحديث معروف . وافهم أنّ إمام الخلق بعد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وعلى آله وأصحابه وسلم - أبو بكر الصديق وكان خلافته بالإجماع ، ثمّ عمر بن الخطاب وكان وصيّ أبي بكر ، ثمّ عثمان ، ثمّ علي - رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين . وما نصّ رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - على إمام أصلا إذ لو نصّ لكان ما نصّ عليه أولى بالخلافة من غيره ، ولو صدر نصّ على ذلك من رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يستنزه ذلك على الصحابة - رضي اللّه عنهم . وإن كان فكيف اندرس حتى لم ينقل إلينا ؟ واعتقاد أهل السنّة والجماعة على فضائل الصحابة - رضي اللّه عنهم - وعلى ترتيب خلافتهم . وحقيقة الفضل ما هو فضل عند اللّه تعالى وعند رسوله . وقد ورد الثناء عليهم في أخبار كثيرة . وهم الشاهدون للوحي والتنزيل وقد عرفوا فضائل الأربعة بقرائن الأحوال وما أدركوه بإشارة النبي - صلى اللّه عليه وسلم - في فضلهم . فعلى ذلك رتّبوا أمر الخلافة . وهم أهل الصدق والعدل . وهم لا يخافون لومة لائم وما جرى بين الصحابة وعليّ ومعاوية - رضي اللّه عنهم - مبني على الاجتهاد ، ولا منازعة من معاويّة في إمامة عليّ . وقد علم أنّه لو طلب القصاص من قتلة عثمان مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بالعساكر لأدّى ذلك إلى اضطراب أمر الأمّة في ابتدائها . فرأى تأخير طلب القصاص أصوب ، ثم طلب بعد استقامة أمر الأمة ورسوخ الخلافة ، وطلب معاويّة القصاص على ظنّ الصواب . وقال في ذلك كبار العلماء : « كلّ مجتهد

--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 708 ) [ 1 / 269 ] . ( 2 ) هذا الأثر لم أجده بلفظه فيما لدي من مصادر ومراجع حديثية .