روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
123
المصباح في مكاشفة بعث الأرواح ( ويليه شرح الحجب والأستار / لوامع التوحيد / مسالك التوحيد )
الأزليّة ، ومصادر أفعاله إرادته القديمة كما قال : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ( 16 ) [ البروج : 16 ] ، وهو مريد لما صدر منه في الأزل حقيقة ، فكلّ فعل صدر منه في « الأزل » يصدر من إرادته ضدّه ، ويصدر منه بعينه قبله أو بعده . فالإرادة منه تخصيص مراد شيء من غيره ، ولا بدّ من إرادة سابقة في الأزل في تقدير أحد المقدورين وترجيح أحد الضدين ، وقدرته وإرادته سابقان في إحداث فعل مختص . ولو جاز في إحداث الفعل أن يغني عن الإرادة لوجود سبق العلم لجاز أن يغني عن القدرة لسبق القدرة . ومعلوم حقيقة أن اللّه تعالى سميع بصير لا يغيب عن نظره وبصره . هواجس الضماير وخفيات الأوهام وأفكار الخواطر ، سميع أصوات دبيبة النمل السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء والعمى والصمم حيث وقعا على إنسان صار ناقصا . فإذا كان في الإنسان عيبا فكيف يكون في خالق السمع والبصر شيء لا يليق بإنسان مخلوق مع أنّه تعالى منزّه في سمعه وبصره عن مشابهة الخليقة التي تحجب سمعها وبصرها حواجب الأجساد وغبار الهواء . وهو تعالى يرى من العرش إلى الثرى ويسمع ما يخطر في الضمائر . ولا يحجب سمعه ورؤيته كثافة الحدثان وعلل الطوارق لأنّ سمعه مقدس عن الخروق وصد الأصوات التي يدخل في الصماخ . وبصره أعزّ من أن يحجبه علل المخلوقات لأنه منزّه عن الحاسة وطبقات البصيرة . وهو تعالى متكلم بكلامه الذي هو وصف قائم بذاته . لا يشبه كلامه بكلام الخلق كما لا يشبه وجوده بوجود الخلق ، كما قال - جلّ جلاله - في كلامه المجيد القديم وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [ النساء : 164 ] وكلامه النفسي إذا صدر منه وتكلم فيه فهو كلامه حقيقة . وإذا يتكلم به يسمى بالمجاز كلاما ، وكيف سمع موسى - عليه الصلاة - كلاما في نفسه وهو يتكلم به ؟ بل سمع من اللّه تعالى كلاما صدر منه وعرف معناه وطاب به واشتاق إلى اللّه تعالى - عزّ سلطانه - وإلى رؤيته بتلذذ كلامه . وكلامه منزّه عن مشابهة أصوات المخلوقات من جميع الوجوه ، والتوراة والإنجيل والزبور والقرآن وجميع كتب اللّه تعالى كلامه ، تكلم بها كما جاء من الأنبياء . وقوله بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 1 ) [ الفاتحة : 1 ] كلامه . وهكذا تكلّم الحقّ تعالى به ، وهو قادر على ذلك مع تنزيهه وتقديس كلامه عن مشابهة كلام