روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

118

المصباح في مكاشفة بعث الأرواح ( ويليه شرح الحجب والأستار / لوامع التوحيد / مسالك التوحيد )

القطب الأوّل في معرفة ذات الله أما القطب الأوّل فجئنا إلى بيان معرفة ذات اللّه تعالى ، وأبين البيان ، وأنوار الأنوار في توحيد اللّه - تعالى وتقدّس - سبحانه وصف اللّه به نفسه وتعرف لعباده في صنائع فعله وآياته المنظومة وأحكامه المترتبة بضياء صفاته في كتابه المبين الذي يرشد العباد إلى معرفة براهينه الواضحة التي تدلّ على وحدانيّة اللّه تعالى وتقديس ذاته وتنزيه صفاته ، وذلك ما قال اللّه تعالى في خلق السماوات والأرض قوله : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ( 6 ) [ النبأ : 6 ] وقال : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [ الفرقان : 45 ] ، وقال : كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً [ نوح : 15 ] وقال : وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ( 47 ) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ ( 48 ) [ الذاريات : 47 - 48 ] . والآية في هذا أكثر من أن يحصى . قد امتن على عباده بما أخبر به خلقه في كتابه تعالى ، وأرشدهم إلى الاستضاء بضياء كلامه العزيز في أقياس أنوار بيانه ما يقتضى لعقولهم وقدر فهومهم ليعرفوا بذلك صانع العالم بسناء أفعاله وارتصاف منظومات برهانه ، لأن الخلق دليل على وجود الخالق ، والفعل يدلّ على الفاعل ، والمقدور على القادر لأن من تفكر في خلق السماوات والأرض والجبال والبحار ، وتأمل بأدنى تأمل فكرة رأى عجائب اللّه تبارك وتعالى في موجوداته ، ومن رأى هذا النظم الغريب علم وعرف أن لا يتكون الكون إلا بمكوّن ، ويعلم بصفا عقله أن العالم لا يكون بطبعه . بل يحتاج إلى صانع مدبّر عالم حكيم قادر ، قدرته واسعة من العرش إلى الثرى . وجبل اللّه في طباع النفوس فطرة نورانيّة عقلية قدسيّة تشهد لمكونها ، وتعرف أنّها مقهورة تحت تسخير صانعها ومقدورة تحت تدبير خالقها . وهي قابلة لتعريف اللّه تعالى إياها بأنوار فعله وضياء مصنوعاته الذي يرشدها إلى طريق إثبات ذات اللّه تعالى الموجود القديم الذي صدر منه الأشياء . ولذلك قال اللّه - تعالى وتقدّس - : أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ إبراهيم : 10 ] . وتلك الفطرة صارت سليمة لقبول الدين ، منقادة لأمر صانعها . وذلك حقيقة الدين الذي فطر الخلائق عليه ، كما قال اللّه تعالى - جلّ جلاله - في كتابه المبين : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [ الروم : 30 ] .