روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
102
المصباح في مكاشفة بعث الأرواح ( ويليه شرح الحجب والأستار / لوامع التوحيد / مسالك التوحيد )
مع كماله بعجزه عن معرفة حقيقة الوحدانيّة والأنانيّة في حضرة العزّة ، حيث قال : « لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » . وكذا ينبغي ، ما للتراب وربّ الأرباب . واعتراف الملائكة مع قربهم بين يدي اللّه تعالى بالعجز عن معرفته ، فقالوا : سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [ البقرة : 32 ] . لكنّ اللّه منّ على أنبيائه وأوليائه وأصفيائه بكشف مشاهدته لهم وانبساطه بنعت التلطّف إليهم ، وأتحفهم باطلاعهم على مكنونات الغيب وعجائب أسرار غيب الغيب ، وبصّرهم على ما في الملكوت من أنوار الجبروت ، وما غاب عن أبصار الخلق من غرائب غيب السماوات والأرض وأسرار الملك والمملكة مثل العرش والكرسيّ وحجاب النور وحضائر القدس والفردوس الأعلى وجنّة المأوى وشجرة طوبى وسدرة المنتهى وأرواح الأنبياء والأولياء والشهداء والأصفياء وصنوف الملائكة والقيمة وأموالها وأحوالها ، وجميع الجنان ونعيمها من السلسبيل والزنجبيل والحور القصور وجميع الجحيم ونيرانها وعذابها وسلاسلها وأغلالها وحياتها وعقاربها وعجائبها التي خلق اللّه تعالى فيها ، وأيضا خزنتها ومالكها وزبانيتها وأراهم أيضا اللوح المحفوظ وأسماء السعداء والأشقياء وما كتب فيه من أسرار القضاء والقدر . وهذه العجائب من أحكام الغيوب لا يطلع عليها إلا أهل القلوب من النبيّين والصديقين . قال اللّه تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [ الجن : 26 - 27 ] ومن تلك المكاشفة ما وصف حارثة للنبيّ « 1 » - صلى اللّه عليه وسلم - حين قال : « كأني أنظر إلى عرش ربّي ، وكأنّي وكأني » . وافهم أنّ غيب اللّه تعالى على ثلاثة أقسام ، منها غيب العام ، وقسم منها غيب الخاصّ ، وقسم منها غيب خاصّ الخاصّ . وأما غيب العام ، فهو ما ذكرنا من أحوال الآخرة مثل الجنّة والنار والملكوت والعرش والكرسيّ والأنوار وحجاب الحضرة وأرواح المقربين والأنبياء والعارفين .
--> ( 1 ) رواه الطبراني في المعجم الحارث بن مالك الأنصاري ، حديث رقم ( 3367 ) [ 3 / 266 ] ورواه البيهقي في شعب الإيمان ، حديث رقم ( 10590 ) [ 7 / 362 ] ورواه غيرهما ونصه : عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مرّ برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال له كيف أصبحت يا حارث قال مؤمنا حقّا فقال انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك فقال قد عزفت نفسي عن الدنيا وأسهرت لذلك ليلي وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها فقال يا حارث عرفت فالزم ثلاثا .