روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
55
مشرب الأرواح
عرّفها لها بعد تعريف نفسه لها بقوله : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [ الأعراف : 172 ] ، ثم أراها شواهد الرضا وبصّرها مشاهد الألطاف بنعت الأمن ثم وعدها وصول الوصال بقوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [ يونس : 26 ] ، وقال العارف : الوعد ملوحة الرجال في مقام الأنس تروح السر بشمال الجمال . الفصل الحادي والثلاثون : في الوعيد إذا استروح القلب بنفحات المشاهدة وتولد منها أوائل الانبساط صارت النفس في جوار الروح طيبة باستنشاق روائح مسك القدس وهيجت هواها إلى طلب حظوظها من أوصاف البشرية زجرها الحق سبحانه بتهديد الوعيد على لسان الغيب وإلهام الملك وزجر الباطن وظاهر السنة في الشريعة حتى ينهزم عساكر هواها في ميادين الشهوات عن جند العقول وتصير عرصة القلب ظاهرة عن غبار سنابك خيول الشياطين وهواجس النفسانية لئلا تطلع شموس التجلي وفي ساحة سرادق الفؤاد ذرة من إشراك الطبيعة ، قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ [ البقرة : 278 ] ، وقال سبحانه : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [ آل عمران : 28 ] ، وقال عليه السلام : « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا » « 1 » ، وقال العارف رضي اللّه عنه : الوعيد تطهير السر بمياه البر . الفصل الثاني والثلاثون : في الوفاء الوفاء من اللّه مقرون بتوفيق العمل للعبد فإذا وافق تأييد استعمال السنة واستشرف العبد على أحكام الغيب ووجد لذة الصفاء وصار أهلا للحق ظهر من لاحق ما له في وعده وهذا بعد رؤية العبودية والربوبية ثم باشر وفاء الحق صميم سر العارف وجذبه إلى مهاد العبودية وسهل عليه طرق الأمر بنعت الإجابة ومباشرة العمل فصار مكتسيا بلباس الوفاء صافيا بعين الصفاء هاديا لطرق الرشاد مهديا لمنهاج السداد مطمئنا عند جريان المراد ، كما كان الخليل عليه السلام حيث عرض عليه جبرائيل عليه السلام طريق الاعتصام ، فوفى في الحقيقة فترك الخليقة فقال : أما إليك فلا ، فقال سبحانه وتعالى في شأنه : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ( 37 ) [ النّجم : 37 ] ، ثم وصف نفسه تعالى
--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه في أبواب عدة منها باب الصدقة في الكسوف ، حديث رقم ( 997 ) [ 1 / 354 ] ورواه مسلم في صحيحه ، باب توقيره صلى اللّه عليه وسلّم . . ، حديث رقم ( 2359 ) [ 4 / 1832 ] ورواه غيرهما .