روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

204

مشرب الأرواح

التي لا توافق خواطر أهل الرسوم من أهل العلوم وهي من العلوم المجهولة أخبر اللّه عنها بقوله : وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] ، ولا يجوز لأهل الظاهر أن يقتدوا بها فإنها أسرار علوم الذات والصفات وحقائق الغيب وغيب الغيب وليس لها من الرسوم مسالك إلا حقائقها وأصحاب هذه العلوم محمول عنهم كلام السكر والانبساط ، ألا ترى اللّه تعالى كيف احتمل من كليمه حين قال : إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ [ الأعراف : 155 ] ، وما قاله الحلاج والبسطامي قدس اللّه روحهما كان من هذا البحر فلت من لسانهما في وقت السكر شطحات مجهولة فوقها بها في بحار البلاء والامتحان ، قال العارف قدّس اللّه روحه : الكلام بغير الإذن يكون من حدة السكر ولا يضر بالسامع المؤمن به وإن لم يعرفه فإنه من أهله ، كما قال رويم قدّس اللّه روحه : من آمن بكلامنا هذا من وراء سبعين حجابا فهو من أهله . الفصل الثامن والأربعون : في مقام الغزو أباح اللّه تعالى لأهل الكمال من العارفين والمقربين القهر على أعدائه من المدبرين عنه وبأن يؤذيهم ويقتلهم ويقاتل معهم ، وهذا نوع من الربوبية وإنفاذ المراد وأي شيء أعظم من أن يكون مأذونا في قتل واحد من مثله بالصورة وهذا غاية كمال العارف في آية مراد الحق وللمرادين وما يفعلون وليس وراء ذلك حشمة ، قال اللّه لحبيبه ولأمته الصادقة في محبته ومعرفته : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [ التّوبة : 5 ] ، قال العارف قدّس اللّه روحه : الغزو التصرف في أعظم مملكة اللّه . الفصل التاسع والأربعون : في مقام قتل النفس إن اللّه تعالى خلق النفس الأمّارة مخالفة له بأنها تطلب من صاحبها الربوبية وليس لها الربوبية فأمره بقتلها على جناب القدم حتى لا يكون في ساحة القلب غير الحق سبحانه ويكون التوحيد مجردا عن النظر إلى الأغيار وقتلها لا يكون إلا باللياذة باللّه والاستعانة به حتى يهيج بحر المحبة بسر تجليه فتفنى النفس في أول قهر غلبات أنوار المعرفة ، قال اللّه تعالى : وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ [ البقرة : 251 ] ، فإذا فنيت النفس والهوى تظهر له آيات اللّه وكراماته ، قال اللّه تعالى : وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ [ البقرة : 251 ] ، قال العارف قدّس اللّه روحه : قتل النفس لا يكون إلا بمعرفة الحق ثم بمعرفة النفس .